يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّا إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَبْعَثَ مَنْ يَمُوتُ فَلَا تَعَبَ عَلَيْنَا وَلَا نَصَبَ فِي إِحْيَائِنَاهُمْ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نُخْلُقُ وَنُكَوِّنُ وَنُحْدِثُ، لِأَنَّا إِذَا أَرَدْنَا خَلْقَهُ وَإِنْشَاءَهُ فَإِنَّمَا نَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، لَا مُعَانَاةَ فِيهِ وَلَا كُلْفَةَ عَلَيْنَا.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {يَكُونُ} ، فَقَرَأَهُ أَكْثَرُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَعَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ} كَلَامٌ تَامٌّ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ عَمَّا بَعْدَهُ، ثُمَّ يُبْتَدَأُ فَيُقَالُ: «فَيَكُونُ» ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الرجز]
يُرِيدُ أَنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمُهْ
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الشَّامِ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: «فَيَكُونَ» نَصْبًا، عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: {أَنْ نَقُولَ لَهُ} وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى
مَذْهَبِهِمْ: مَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ إِلَّا أَنْ نَقُولَ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونَ وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: أُرِيدُ أَنْ آتِيَكَ فَيَمْنَعَنِي الْمَطَرُ، عَطْفًا بِ «يَمْنَعَنِي» عَلَى «آتِيَكَ» .
وَقَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظَلَمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ فَارَقُوا قَوْمَهُمْ وَدُورَهُمْ وَأَوْطَانَهُمْ عَدَاوَةً لَهُمْ فِي اللَّهِ عَلَى كُفْرِهِمْ إِلَى آخَرِينَ غَيْرِهِمْ {مِنْ بَعْدِ مَا ظَلَمُوا}
يَقُولُ: مِنْ بَعْدِ مَا نِيلَ مِنْهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بِالْمَكَارِهِ فِي ذَاتِ اللَّهِ {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً}
يَقُولُ: لَنُسْكِنَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا مَسْكَنًا يَرْضَوْنَهُ صَالِحًا.
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، ظَلَمَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ، فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ حَتَّى لَحِقَ طَوَائِفُ مِنْهُمْ بِالْحَبَشَةِ، ثُمَّ بَوَّأَهُمُ اللَّهُ الْمَدِينَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَجَعَلَهَا لَهُمْ دَارَ هِجْرَةٍ، وَجَعَلَ لَهُمْ أَنْصَارًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} لِنَرْزُقَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا رِزْقًا حَسَنًا