فهرس الكتاب
ولما كانت الوحدانية مما لا يخفى على عاقل ، وكانت مركوزة في كل فطرة بدليل الاضطراب عند المحن ، والشدائد والفتن ، وكانت الرهبة - كما مضى عن الحرالي في البقرة - خاصة بالخوف مما خالف العاصي فيه العلم ، عبر بها فقال تعالى: {فارهبون} مختصاً بذلك ولا تخافوا شيئاً غيري من صنم ولا غيره ، فإنه ليس لشيء من ذلك قدرة ، وإن أودعته فإنه لا يتمكن من إنفاذها ، فالأمر كله إليّ وحدي.
ولما كان أسلوب الغيبة من الحاضر دالاً على التردي بحجاب الكبر المؤذن بشدة البطش وسرعة الانتقام وبعد المقام ، رجع إليه فقال تعالى: {وله} فأعاد الضمير على الله الاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى {ما في السَّماوات} .
ولما كان الأمر قد تأكد وتأطد ، وظهر المراد منه غاية الظهور ، لم يحتج إلى تأكيده بإعاداة النافي ، فقال تعالى: {والأرض} أي مما تعبدونه وغيره ، فكيف يتصور أن يكون شيء من ذلك إلهاً وهو ملكه ، مع كونه محتاجاً إلى الزمان والمكان وغيرهما {وله الدين} أي الخضوع والتذلل من كل ما فيهما ومن فيهما بالطوع والكره ، بإنفاذ القضاء والقدر ، بالصحة والسقم ، والغنى والفقر ، والحياة والموت ، والإيجاد والإعدام ، والإذلال والإعزاز ، والإقبال والإعراض - كما بين آنفاً ، وله الدينونة بالمجازاة {واصباً} أي دائماً ثابتاً عاماً لا كالملوك الذين تنقطع ممالكهم مع خصوصها ، والمعبودات التي تنقطع عبادتها في وقت من الأوقات فتصير كاسدة بعد أن كانت رابحة وإن طال المدى ، مع خصوصها بناس دون غيرهم ، ولا يخلو يوم من الأيام لملك غيره من جري أمور على غير مراده وإن عظم سلطانه ، وعلا شأنه ، وكثرت أعوانه ، فكيف يتصور من له أدنى بصر أن يكون غيره إلهاً ، وقد تقدم في {إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 56] في هود ما ينفع استحضاره هنا.