فهرس الكتاب
أي ذا وصب وكلفة ، ومن هنا سمى الدين تكليفاً ، وقال الربيع بن أنس: {وَاصِبًا} خالصاً ، ونقل ذلك أيضا عن الفراء ، وقيل: الدين الملك والواصب الدائم ، ويبعد ذلك قول أمية بن الصلت:
وله الدين واصبا وله الم...
لك وحمد له على كل حال
وقيل: الدين الجزاء والواصب كما في سابقه أي له تعالى الجزاء دائماً لا ينقطع ثوابه للمطيع وعقابه للعاصي ، وأياً ما كان فنصب {وَاصِبًا} على أنه حال من ضمير {الدين} المستكن في الظرف والظرف عامل فيه أو حال من {الدين} والظرف هو العامل على رأي من يرى جواز اختلاف العامل في الحال والعامل في صاحبها.
واستدل بالآية على أن أفعال العباد مخلوقة تعالى: {أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ} الهمزة للإنكار والفاء للتعقب أي أبعد ما تقرر من تخصيص جميع الموجودات للسجود به تعالى وكون ذلك كله له سبحانه ونهيه عن اتخاذ الإلهين وكون الدين له واصباً المستدعى ذلك لتخصيص التقوى به تأعلى تتقون غيره ، والمنكر تقوى غير الله تعالى لا مطلق التقوى ولذا قدم الغير ، وأولي الهمزة لا للاختصاص حتى يرد أن إنكار تخصيص التقوى بغيره سبحانه لا ينافي جوازها ، وقيل: يصح أن يعتبر الاختصاص بالإنكار فيكون التقديم لاختصاص الإنكار لا لإنكار الاختصاص.
وفي البحر أن هذا الاستفهام يتضمن التوبيخ والتعجب أي بعد ما عرفتم من وحدانيته سبحانه وأن ما سواه له ومحتاج إليه كيف تتقون وتخافون غيره.
{وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله} أي أي شيء يلابسكم ويصاحبكم من نعمة أي نعمة كانت فهي منه تأعلى فما موصولة مبتدأ متضمنة معنى الشرط و {مِنَ الله} خبرها والفاء زائدة في الخبر لذلك التضمن و {مِن نّعْمَةٍ} بيان للموصول و {بِكُمْ} صلته ، وأجاز الفراء وتبعه الحوفي أن تكون {مَا} شرطية وفعل الشرط محذوف أي وما يكن بكم من نعمة الخ.