وفيه أنه يدفع ما ذكره بأن علمهم نزل لعدم الاعتداد به وفعلهم ما ينافيه منزلة الجهل فأخبروا بذلك كما تقول لمن توبخه: أما أعطيتك كذا أما وأما {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر} مساساً يسيراً {فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ} تتضرعون في كشفه لا إلى غيره كما يفيده تقديم الجار والجرور، والجؤار في الأصل صياح الوحش واستعمل في رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة، قال الأعشى يصف راهباً:
يداوم من صلوات المليك ...
طوراً سجوداً وطوراً جؤراً
وقرى الزهري"تجرون"بحذف الهمزة والقاء حركتها على الجيم، وفي ذكر المساس المنبئ عن أدنى إصابة وإيراده بالجملة الفعلية المؤذنة بالحدوث مع ثم الدالة على وقوعه بعد برهة من الدهر وتحلية {الضر} بلام الجنس المفيدة لمساس أدنى ما ينطلق عليه اسم الجنس مع إيراد النعمة بالجملة الاسمية المؤذنة بالدوام والتعبير عن ملابستها للمخاطبين بباء المصاحبة وأيراد {مَا} المعربة عن العموم على احتماليها ما لا يخفى من الجزالة والفخامة.
ولعل إيراد"إذا"دون ان للتوسل به إلى تحقق وقوع الجواب قاله الملوى أبو السعود، وفيه ما يعرف مع الجواب عنه بأدنى تأمل، وكان الظاهر على ما قيل أن يقال بعد {أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ} [النحل: 52] : وما يصيبكم ضر إلا منه ليقوي إنكار اتقاء غيره سبحانه لكن ذكر النفع الذي يفهم بواسطته الضر واقتصر عليه إشارة إلى سبق رحمته وعمومها وبملاحظة هذا المعنى قيل: يظهر ارتباط"وما بكم من نعمة فمن الله"بما قبله، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك، واستدل بالآية على أن لله تأعلى نعمة على الكافر وعلى أن الإيمان مخلوق له تعالى.