إذن: هذا رأي في العالم أشياء كثيرة بحيث لا ينهض بها في نظره إله واحد ، ونقول له: أنت أخذتَ قدرة الإله من قدرة الفردية فيك . . لا . . خُذها من قدرة من: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] .
لأن القدرة الإلهية لا تعالج الأشياء كما تفعل أنت ، وتحتاج إلى مجهود وعمل . . بل في حقّه تعالى يتم هذا كله بكلمة كُنْ . . كُنْ كذا وانتهت المسألة .
ونعجب من تناقض هؤلاء ، واحد يقول: الكون خُلِق هكذا لحاله دون إله . والآخر يقول: بل له آلهة متعددة . . نقول لهم: أنتم متناقضون ، فتعالَوْا إلى دين الله ، وإلى الوسطية التي تقول بإله واحد ، لا تنفي الألوهية ولا تثبت التعددية .
فإنْ كنتَ تظنُّ أن دولابَ الكون يقتضي أجهزة كثيرة لإدارته ، فاعلم أن الله تعالى لا يباشر تدبير أمر الكون بعلاج . . يفعل هذه ويفعل هذه ، كما يُزاول البشر أعمالهم ، بل يفعلها ب"كُنْ"؛ ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي:"يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم ، وحيَّكم وميتكم ، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد ، فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته ، فأعطيت كل سائل منكم ما سأل ما نقص ذلك من مُلْكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه ، ذلك بأنِّي جواد ماجد ، افعل ما أريد ، عطائي كلام ، وعذابي كلام ، إنما أمري بشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون".
فيا مَنْ تُشفْق على الإله الواحد أن يتعبَ من إدارته للكون بشتى نواحيه ، ارتفع بمستوى الألوهية عن أمثال البشر ؛ لأن الله تعالى لا يباشر سلطانه علاجاً في الكون ، وإنما يباشره بكلمة"كُنْ".
إذن: إله واحد يكفي ، وما دُمْنا سلَّمنا بإله واحد ، فإياك أن تقول بتعدُّد الآلهة . . وإذا كان الحق تبارك وتعالى نفى إلهين اثنين ، فنَفْي ما هو أكثر من ذلك أَوْلَى . . واثنان أقل صُور التعدد .