فهرس الكتاب
ومعنى {إلهين} أي: معبودين ، فيكون لهما أوامر ونواه ، والأوامر والنواهي تحتاج إلى طاعة ، والكون يحتاج إلى تدبير ، فأيُّ الإلهين يقوم بتدبير أمور الكون؟ أم أنه يحتاج إلى مُسَاعد؟ إنْ كان يحتاج إلى مساعد فهذا نقْص فيه ، ولا يصلح أن يكون إلهاً .
وكذلك إنْ تخصَّص كُلٌّ منهما في عمل ما ، هذا لكذا وهذا لكذا ، فقد أصبح أحدهما عاجزاً فيما يقوم به الآخر . . وأي ناحية إذن من نواحي الحياة تكون هي المسيطرة؟ ومعلوم أن نواحي الحياة مشتركة ومتشابكة .
ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ...} [المؤمنون: 91] .
وقال: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] .
فكيف الحال إذا أراد الأول شيئاً ، وأراد الآخر ألاَّ يكون هذا الشيء؟ فإنْ كان الشيء كان عجزاً في الثاني ، وإن لم يكُن كان عجزاً في الأول . . إذن: فقوة أحدهما عَجْز في الآخر .
ونلحظ في قوله تعالى:
{وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين} [النحل: 51] .
عظة بليغة ، كأنه سبحانه حينما دعانا إلى توحيده يقول لنا: أريحوا أنفسكم بالتوحيد ، وقد أوضح الحق سبحانه وتعالى هذه الراحة في قوله: {ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحمد للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] .
يعني رجل خُلِّص لسيد واحد ، ورجل أسياده كثيرون ، وهم شركاء مختلفون ، فإنْ أرضى هذا أغضب ذاك ، وإن احتاجه أحدهما تنازعه الآخر . فهو دائماً مُتْعبٌ مُثقَلٌ ، أما المملوك لسيد واحد فلا يخفي ما فيه من راحة .