فهرس الكتاب
ففي أمره سبحانه بتوحيده راحةٌ لنا ، وكأنه سبحانه يقول: لكم وِجْهة واحدة تكفيكم كُلَّ الجهات ، وتضمن لكم أن الرضا واحد ، وأن البُغْض واحد .
إذن: فطلبُه سبحانه راحةٌ لنا ؛ لذلك قبل أن يطلبها مِنّا شهد بها لذاته تعالى ، فقال: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 18] .
فلو قال معترض: كيف يشهد لذاته؟ نقول: نعم ، يشهد لذاته سبحانه ؛ لأنه لا أحدَ غيره . . لا أحد معه ، فشهادة الذات للذات هنا شيء طبيعي . . وكأنه سبحانه يقول: لا أحدَ غيري ، وإنْ كان هناك إله غيري فَلْيُرني نفسه ، وليُفصِح عن وجوده .
أنا الله خلقت الكون وأخذته وفعلتُ كذا وكذا ، فإما أنْ أكون صادقاً فيما قلت وتنتهي المسألة ، وإما أنْ أكون غير صادق ، وهناك إله آخر هو الذي خلق . . فأين هو؟ لماذا لا يعارضني؟
وهذا لم يحدث ولم ينازع الله في خَلْقه أحد ، وحين تأتي الدعوى بلا معاند ولا معارض تَسْلَم لصاحبها .
فإنْ قال قائل: لعل الآلهة الأخرى لم تَدْرِ بأن أحداً قد أخذ منهم الألوهية ، فإنْ كان الأمر كذلك فهم لا يصلُحون للألوهية لعدم درايتهم ، وإنْ دَرَوْا ولم يعارضوا فهُمْ جُبناء لا يستحقون هذه المكانة .
وبشهادته سبحانه لذاته بأنه لا إله إلا هو أقبل على خَلْق الخَلْق ؛ لأنه ما دام يعرف أنه لا إله غيره ، فإذا قال:"كن"فهو واثق أنه سيكون .
ولذلك ساعة يحكم الله حُكْماً غيبياً يقول: أنا حكمت هذا الحكم مع أنكم مختارون في أنْ تفعلوا أو لا تفعلوا ، ولكني حكمتُ بأنكم لا تفعلون ، وما دُمْتُ حكمت بأنكم لا تفعلون ولكم قدرة أن تفعلوا ، ولكن ما فعلتم ، فهذا دليل على أنه لا إله غيري يُعينكم على أنْ تفعلوا .
ثم شهدتْ الملائكة على شهادة الذات ، وشهد أولو العلم شهادةَ الاستدلال ، كما قال تعالى: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم . .} [آل عمران: 18] .