فهرس الكتاب
لنا هنا وَقْفة مع قوله تعالى:
{إلهين اثنين ...} [النحل: 51] .
فعندنا العدد ، وعندنا المعدود ، فإذا قُلْنا مثلاً: قابلت ثلاثة رجال ، فكلمة"ثلاثة"دلتْ على العدد ، وكلمة"رجال"دلَّتْ على جنس المعدود ، وهكذا في جميع الأعداد ما عدا المفرد والمثنى ، فلفظ كل منهما يدل على العدد والمعدود معاً .
كما لو قلت: إله . فقد دلَّتْ على الوحدة ، ودلتْ على الجنس ، وكذلك"إلهين"دلَّتْ على المثنى وعلى جنس المعدود .
ولذلك كان يكفي في الآية الكريمة أن يقول تعالى: لا تتخذوا إلهين ؛ لأنها دلَّتْ على العدد وعلى المعدود معاً ، ولكن الحق تبارك وتعالى أراد هذا تأكيداً للأمر العقديّ لأهميته .
ومن أساليب العرب إذا أحبُّوا تأكيد الكلام أن يأتوا بعده بالمراد . فيقولون: فلان قسيم وسيم ، وفلان حَسن بَسَن ، وفلان شيطان ليطان ، يريدون تأكيد الصفة . . وكذلك في قوله: {إلهين} فقط تثبت الألوهية ، ولتأكيد هذه القضية العقدية لأنها أهمّ القضايا بالنسبة للإنسان ، وهي قضية القمة ، فقال تعالى:
{إلهين اثنين} [النحل: 51] .
وكذلك أيضاً في قوله:
{إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ} [النحل: 51] .
فجاء بقوله تعالى {وَاحِدٌ} لتأكيد وحدانية الله تعالى .
وفي الآية مَلْحظ آخر يجب تأمّله ، وهو أن الكلام هنا في حالة الغيبة:
{إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ} [النحل: 51] .
فكان القياس في اللغة هنا أن يقول:"فإياه فارهبون".
ولكن وراء تحويل السياق من الغيبة إلى المجابهة للمتكلم قال:
{فَإيَّايَ فارهبون} [النحل: 51] .
وهذا وراءه حكمة ، ومَلْحظ بلاغي ، فبعد أنْ أكَّد الألوهية بقوله تعالى:
{إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ} [النحل: 51] .