ونعم الله لا تعد ولا تحصى، لأن الإحصاء إنما يكون لشيء محدود، ونعم الله لا حد لها، وخزائنه مملوءة بكل شيء كما قال سبحانه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) } [إبراهيم: 34] .
وظلم الإنسان له صورتان:
إما بأخذ حق الغير .. أو الحكم للغير بحق ليس له.
وكفر الإنسان للنعم له صورتان:
إما بسترها وعدم البحث عنها في خبايا الأرض، وذلك هو الكسل.
أو نسبتها لغير المنعم بها، أو الاستهانة بها وعدم شكرها، أو صرفها فيما لا يجوز في محرمات أو إسراف أو تبذير.
وإما أن يستنبطها ويتملكها ويحجزها عن الغير، فذلك هو الظلم.
والنعم على ثلاثة أقسام:
الأولى: نعم تفرد الله بإيجادها نحو أن خلق ورزق.
الثانية: نعم وصلت إلينا من غيره، وهي في الحقيقة منه، لأنه تعالى هو الخالق لتلك النعمة، والخالق لذلك المنعم، والخالق لداعية الإنعام بالنعمة في قلب ذلك المنعم.
الثالثة: نعم وصلت إلينا من الله بسبب طاعاتنا وهي من الله، لأنه هو الذي وفقنا للطاعات، وأعاننا عليها، وهدانا إليها، وأزاح العلل عنا، فله الحمد والشكر،
وهو للحمد أهل.
قال الله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) } [النحل: 53] .
وكل إنسان سوف يحاسب على النعم التي أنعم الله بها عليه، ويسأل عن شكرها .. وعن استعمالها فيما خلقت له .. وعن صرفها فيما يرضي الله .. وعن أداء حق الله فيها كما قال سبحانه: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) } [التكاثر: 8] .
وقد أنعم الله على عباده بنوعين من الرزق:
أحدهما: رزق الأبدان من الطعام والشراب وسائر الأموال.
الثاني: رزق القلوب من الإيمان والتوحيد والأعمال الصالحة.
وفاوت سبحانه بين عباده في قسمة هذين الرزقين بحسب علمه وحكمته، ومعرفته بأحوال عباده، ومن يصلح لهذا، ومن يصلح لهذا، ومن يصلح لهم معاً.
فمنهم من وفر حظه من الرزقين، ووسع عليه فيهما.
ومنهم من قتر عليه في الرزقين.
ومنهم من وسع عليه رزق القلب، وقتر عليه رزق البدن.