(باب مد التاءات وقبضها)
وهذا جاء في الاسم المفرد المضاف الذي فيه علامة التأنيث.
وذلك أن هذه الأسماء لما كانت يلازمها الفعل صارت تعتبر اعتبارين: أحدهما من حيث هي أسماء وصفات. فهذا تقبض فيه التاء.
والثاني من حيث يكون مقتضاها فعلا وأثرا ظاهرا في الوجود. فهذا تمد فيه التاء كما تمد في: قالت: وحقت. و"جهة"الفعل والأثر ملكية ظاهرة، وجهة الاسم والصفة ملكوتية باطنة.
فمن ذلك: (الرَحمَة) مدت في سبعة مواضع للعلة التي ذكرت. يدل عليه ما جاء في أحدها: (إنّ رَحمَتَ اللَهِ قَريبٌ مِنَ المُحسِنينَ) .
فوصفها على التذكير فهو الفعل. وكذلك: (فانظُر إِلى آثارِ رَحمَتِ الله) . والأثر هو بالفعل ضرورة.
ومن ذلك: (النعمة) مدت في أحد عشر موضعا. أحدها في سورة إبراهيم: (وَإِن تَعُدوا نِعمَتَ اللَهِ لا تُحصوها) الآية. فهذه بمعنى الحاصلة بالفعل في الوجود. يدلك عليه قوله تعالى: (إِنّ الإِنسانَ لَظَلومٌ كَفّار) فهذه نعمة متصلة بالظلوم"الكفار"في تنزلها
وقال تعالى في سورة النحل: (وَإِن تَعُدوا نِعمَةَ اللهِ لا تُحصوها) وهذه قبضت تاؤها لأنها بمعنى الاسم. يدلك عليه قوله تعالى: (إِنّ اللَهَ لَغَفورٌ رَحيم) فهذه نعمة وصلت من الرب الغفور فهي ملكوتية ختمها باسمه عز وجل وختم الأولى باسم الإنسان.
ومن ذلك: (الكلمة) قد مدت في موضعين.
أحدهما في الأعراف: (وَتَمَت كَلِمةُ رَبِكَ الحُسنى عَلى بَني إِسرائيل) هو ما تم لهم في الوجود بالفعل الذي أظهره لهم في ملكه.
وفي هود: (وَتَمَت كَلِمَةُ رَبّكَ لأَملأَنّ جَهَنّمَ مِنَ الجِنّةِ وَالناسِ أَجمَعين) ،"هو ما تم"لهم في الوجود الأخروي بالفعل الذي ظهر دليله في الملك، وهو الاختلاف وتمامها. وهو أن لها نهاية تظهر في الوجود بالفعل فمدت التاء.
ومن ذلك: (السنة) مدت في خمسة مواضع حيث تكون بمعنى الإهلاك والانتقام الذي ظهر في الوجود.
أحدها في الأنفال: (فَقَد مَضَت سُنّتُ الأَولين) يدل على أنها للإنتقام قوله تعالى قبلهاك (إِن يَنتَهَوا يُغفَر لَهُم ما قَد سَلَف) الآية. وبعدها: (وَقاتِلوهُم حَتى لا تَكونَ فِتنَة) .
وفي فاطر: (فَهَل يَنظُرونَ إِلاّ سُنَتَ الأَولين فَلَن تَجِدَ لِسُنّتَ اللَهِ تَبديلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنّتِ اللَهِ تَحويلًا) يدلك على أنها كلها بمعنى الإنتقام قوله تعالى قبلها: (وَلا يَحيقُ المَكرُ السَيءُ إِلاّ بِأهلِهِ) وسياق ما بعدها.
وفي المؤمن (فَلَم يَكُ يَنفَعُهُم لِما رَأَوا بَأسَنا سُنّتَ اللَهِ التَي قَد خَلَت في عِبادِهِ) .
فإذا كانت السنة بمعنى الشريعة والطريقة المتبعة فهي ملكوتية بمعنى الاسم تقبض تاؤها كما في الأحزاب: (سُنّةَ اللَهِ في الَّذَينَ خَلَوا مِن قَبل) فهذه بمعنى حكم الله و"شرعه"فيهم.
وكذلك: (سُنَةَ مَن قَد أَرسَلنا قَبلَكَ مِن رُسُلِنا) فهذه بمعنى الشريعة والطريقة المتبعة.
ومن ذلك (بَقيّتُ اللَهِ) فقد مدت تاؤه لأنه بمعنى ما يبقى في أموالهم من الربح المحسوس. لأن الخطاب إنما هو فيها من جهة الملك.
ومن ذلك (فِطرَتُ اللَهِ) فقد وصفها الله بأنها فطر الناس عليها فهي فعل حصل في الوجود كما جاء: كل مولود يولد على الفطرة .. الحديث.
ومن ذلك: (قُرّت عَينٍ لي وَلَك) فقد مدت تاؤه لأنه بمعنى الفعل. إذ هو خبر عن موسى وهو موجود حاضر في الملك.
وذلك على غير حال: (قُرَةُ أَعيُن) فإن هذا الحرف هو بمعنى الاسم وهو ملكوتي إذ هو غير حاضر.
ومن ذلك (مَعصِيتُ الرسول) مدت في موضعين في سورة المجادلة لأن معناها الفعل إذ تقديرها: لا تتناجوا بأن تعصوا الرسول ونفس هذا النجوى الواقع منهم في الوجود هو فعل معصية لوقوع النهي عنه.