فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 319

قال النظام: «إن الله تعالى ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة، بل هو كسائر الكتب المنزلة، لبيان الأحكام: (من الحلال والحرام، والعرب إنما لم يعارضوه لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك.

وهذا هو المذهب المعروف بمذهب الصرفة، وهو مذهب باطل لوجوه:

أولها: أنه لو لم يكن معجزا لما فيه من ألوان البلاغة وفنون البيان، لكان إذا نزل في درجة البلاغة، وانحط في مرتبة الفصاحة، أبلغ في الأعجوبة، إذا صرفوا عن الإتيان بمثله، ولما عنى أن يكون على هذا النظام العجيب، وأن يظفر من الفصاحة بأوفى نصيب.

ثانيها: أنهم لو كانوا قد صرفوا عن معارضته، لم يكن من قبلهم من العرب مصروفين عنه؛ لأنهم لم يتحدوا به، فكان من الجائز أن نعثر في كل العرب الأقدمين على ما يشبه القرآن، وذلك ما لم نجده في تاريخ أدبهم.

ثالثها: أنه لو كانت المعارضة ممكنة، ولكنهم منعوا منها بالصرفة، لم يكن الكلام معجزا، إنما يكون المنع معجزا، فلا يتضمن الكلام في نفسه فضيلة على غيره فيصبح في مكنة العظماء والبلغاء - بعد زمن التحدى - أن يأتوا بمثله، ولكن شيئا من ذلك لم يكن، فقد أتى جهابذة الكلام بعده بما في وسعهم أن يأتوا، واهتدى العلماء إلى تبيين أسباب الجمال في القول، ولكن لم يستطع أحد أن يدنو من هذا المكان البعيد، أو يقارب هذا الأفق المتسامي، وكلما اهتدوا إلى سر من أسرار الفصاحة، ازدادوا إيمانا بالضعف والعجز أمام كتاب الله.

رابعها: أنه لو كان عجز العرب عن المعارضة بالصرفة، لما استعظموا بلاغة القرآن، وتعجبوا من حسن فصاحته، كما أثر عن الوليد بن المغيرة حيث قال: «إن أعلاه لمورق، وإن أسفله لمغدق، وإن له لطلاوة، وإن عليه لحلاوة» .

بل كان الجدير بهم أن يتعجبوا من تعذر ذلك عليهم، بعد أن كانوا عليه قادرين ولم يكن لتعجبهم لفصاحته وجه، فظهر من كل ما تقدم فساد هذا المذهب.

كما لا نقبل قول من قال إن وجه الإعجاز في نظم القرآن، أنه حكاية عن كلام الله القديم، لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله معجزات، في النظم والتأليف وما قال بذلك أحد، ولا ذكرته تلك الكتب نفسها،

وكذلك كان من الواجب أن تكون كل كلمة مفردة معجزة بنفسها منفردة، وذلك ما لم يقل به أحد.

وقال بعض العلماء إن وجه الإعجاز ما تضمنه من الإخبار بالغيب، ويوردون لذلك آيات منها قوله تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ(2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (الروم 2 - 4) وتم غلب الروم كما أخبر في هذا البضع، وقوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ) (الفتح 27) .

فدخلوا كما قال.

وقال بعضهم: وجه ذلك أنه كان معلوما من حال محمد - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان أميّا، لا يكتب ولا يقرأ، ولا يعرف شيئا من كتب المتقدمين، وأقاصيصهم، وأنبائهم، وسيرهم، ولكنه جاء بكثير من تاريخ الأنبياء السابقين، مما لا سبيل إلى معرفته إلا بالتعلم، فلما لم يكن ملابسا لحملة الأخبار، ولا مترددا على أهل العلم، ولا كان ممن يقرءون، علم أنه لم يصل إلى علم ذلك إلا بوحى من الله، ولذلك قال الله تعالى: (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) (العنكبوت 48) .

وقال: (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (هود 49) .

غير أن التنبؤ بالغيب والحديث عن الماضين، إن اتخذا دليلا على نبوة الرسول، لم يصلحا برهانا على إعجاز القرآن، ذلك أن معظم القرآن ليس تنبؤا ولا قصصا، فلو كان الوجه ما ذكر، لفقد معظم القرآن صفة الإعجاز؛ لأن التحدى وقع بأقصر سورة منه، وهي لا تحوى من التنبؤ والقصص شيئا، ورد بعضهم قبول هذا الوجه من وجوه الإعجاز، بأن القرآن حين تحدى العرب، قالوا لرسول الله: (إنك تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، ونسبوه إلى أنه يؤلف الكتاب، ثم ينسبه إلى الله، افتراء عليه، فتحداهم أن يأتوا بمثله مفترى، أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ(13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) (هود 13، 14) .

فظن أن القرآن عند ما تحداهم أن يأتوا بسور مفتريات، سمح لهم أن يأتوا بالقصص الكاذب في معارضة القرآن، وذلك عندى، ما لا أرى الآية مشيرة إليه، فكيف تكون السور مثله، وفي الوقت نفسه مفتريات، ولكنه يجاريهم في دعواهم أنه افترى الكذب على الله، فنسب إليه كلاما، لم ينزل به وحى عليه، فقال في الرد عليهم، هاتوا كلاما كاذبا كهذا الذي أتيت به، فهو لم يتحداهم بالأساليب اللفظية فحسب، ولكن تحداهم بما في القرآن من معان وخواطر، فلو أن المعاني والخواطر التي يجيئون بها كانت خاطئة أو كاذبة، ما صح أن تكون سورا مثل سور القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت