وذهب بعضهم إلى أن وجه الإعجاز هو خلو القرآن من التناقض، وذلك غير مقبول أيضا؛ لأن الإجماع منعقد على أن التحدى واقع بكل سورة من سور القرآن، وقد يوجد في كثير من الخطب والشعر وغيرها ما يكون في مقدار السورة خاليا من التناقض.
أما الوجه الذي نرتضيه لإعجاز القرآن، فهو ما يتحقق في كل قدر من القرآن، تحدى به «وهو أنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه» وقد شعر العرب أنفسهم بما في القرآن من سمو عن قول البشر، فنسبوه إلى السحر، فكأنهم يقولون إن القرآن لا يستطيع أن يقوله إلا من أوتى قوة خارقة، وليست من جنس قوي البشر، وقد وازن الباقلانى بين القرآن وكلام العرب في وجوه، نجمل بعضها فيما يلى: (فمن ذلك أن نظم القرآن خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، فليس من الشعر، ولا من النثر المرسل، ولا المسجوع، وإذا كنت أخالف الباقلانى في نفي السجع عن القرآن، وأرى في بعض آية سجعا، فإنى أرى سجع القرآن يتخذ منهجا خاصّا به، لا يشركه فيه سواه، كما سنبينه عند دراسة أسلوب القرآن.
ومن ذلك أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة، والتصرف البديع والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة، على هذا القدر من الطول، وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة.
ومن ذلك أن عجيب نظمه لا يتفاوت على ما يتصرف فيه من الوجوه: من قصص، ووعظ، واحتجاج، وحكم، وأحكام، ووعد، ووعيد، ووصف، وتعليم أخلاق كريمة، وغير ذلك مما حواه القرآن، بينما نجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع يختلف باختلاف الأغراض، فمنهم من يجيد في الوصف دون الغزل، ومن يحسن إذا رغب، والآخر إذا طرب، وغيرهما إذا ركب، أما نظم القرآن فلا انحطاط في جميع ما يتصرف فيه عن المنزلة العليا، ولا إسفاف فيه إلى المرتبة الدنيا.
ومن ذلك أن المعاني التي جاء بها القرآن، وتعالج أحكام الشريعة، والاحتجاج في الدين، والرد على المتحدّين، قد اتسقت في أسلوب بديع يتعذر على البشر؛ لأنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة، فإذا برع اللفظ في المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول.
ومن ذلك أن الكلام يبين فضله، ورجحان فصاحته، بأن يذكر في تضاعيف كلام، فتأخذه الأسماع، وتتشوق إليه النفوس، ويرى وجه رونقه باديا، غامرا سائر ما يقرن به، كالدرة التي ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في وسط العقد، وأنت ترى الآية من القرآن، يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهي غرة جميعه، وواسطة عقده، والمنادى على نفسه، بتميزه وتخصصه برونقه وجماله.
وجه الإعجاز الحق إذا هو ما اتسم به القرآن من بلاغة، تحير فيها أهل الفصاحة من العرب، وأعيان البلاغة من بينهم، فسلموا، ولم يشغلوا أنفسهم بمعارضته؛ لعلمهم بالعجز عن بلوغ مداه، وقوله تعالى حكاية عنهم: (لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا) (الأنفال 31) .
يحمل دليل عجزهم، فلو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم: من القدرة على المجيء بمثل القرآن، لتجاوزوا الوعد إلى الوفاء بما ادعوا، فلما لم ينجزوا ما وعدوا، علم عجزهم وقصور باعهم.
ولما كانت البلاغة سر هذا الإعجاز، وجب أن نلتمس أسبابها، وندرك مظاهرها، ونضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم، حتى لا نكون مقلدين فيما نعلم، وحتى تكون معرفتنا معرفة الصانع الحاذق، الذي يعلم كل خيط من الإبريسم الذي في الديباج، وكل قطعة من القطع المنجورة في الباب المقطع، وكل آجرة من الآجر الذي في البناء البديع.