(1) ما روى الشيخان (البخاري:6/ 103 - 4949،مسلم:4/ 2039 - 2647) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة". قالوا: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال:"اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى} . ففي هذا الحديث دليل على ما فهمه الصحابة رضي الله عنهم من الكتاب والسنة من أن الجنة لا تنال إلا بعمل، وقد أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفهم، ولذلك نهاهم عن ترك العمل احتجاجًا بالقدر، ولا ينافي هذا مارواه الشيخان (البخاري:7/ 13 - 5673،مسلم:4/ 2169 - 2816) من حديث أَبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لن يدخل أحدًا عملُه الجنة". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:"لا، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسددوا وقاربوا". فلا يعني هذا أن الجنة تنال بغير عمل، بل لا بد من العمل لدخولها لقوله صلى الله عليه وسلم:"فسددوا وقاربوا"، ولقوله تعالى {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} [النحل:32] ، وقوله تعالى {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} [الزخرف:72] ، وإنما النفي في الحديث أن يكون دخولها على سبيل المعاوضة دون رحمة الله للعبد بهدايته وتوفيقه له ثم قبول هذا العمل ومغفرته لسيئاته:"
ـ قال النووي رحمه الله (شرح مسلم:17/ 159) في الجمع:"أَنَّ دخول الجنَّة بسبب الأعمال , ثمّ التوفِيق لِلأعمال والهداية لِلإخلاص فيها , وقبولها برحمة اللَّه تعالى وفضله , فيصح أنّه لم يدخل بمجرد العمل. وهو مراد الأحاديث , ويَصحّ أَنَّه دخل بالأعمال أي بسببِها , وهي من الرّحمة".