القاعدة الرابعة: (قَولُ الكُفْرِ كُفرٌ، وفِعْلُ الكُفْرِ كُفْرٌ) :
الشرح: اعلم أن قول الكفر كفر، وكذلك فعل الكفر كفر؛ فمن قال الكفر البواح، أو فعله ـ من غير مانع شرعي معتبر كما هو مبين في القاعدة الأولى ـ فهو كافر مرتد، سواء قارن قوله أو فعله عبارات أو قرائن تنم عن الاستحلال أو الجحود، أو أنه لم يظهر منه ما يدل على شيء من ذلك؛ لأن الكفر هنا هو لذات القول أو الفعل وليس لغيره من أنواع ومسببات الكفر.
والأدلة الشرعية ـ من الكتاب والسنة ـ التي تدل على صحة هذه القاعدة كثيرة جدًا، إليك بعضها:
1 -قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [النحل: 106، 107] ، فدل أن من أظهر الكفر بقول أو فعل ـ من غير إكراه معتبر ـ يكون كافرًا ظاهرًا وباطنًا، وهو من الذين شرحوا بالكفر صدرًا، سواء أقر بذلك بلسانه أو لم يقر، وهذا الذي نص عليه أهل العلم، قال ابن تيميه: (فإن قيل فقد قال:(وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا) قيل: وهذا موافق لأولها فإنه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدرًا وإلا ناقض أول الآية آخرها، ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره، وذلك يكون بلا إكراه لم يستثني المكره فقط، بل كان يجب أن يستثني المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعًا فقد شرح بها صدرًا وهو كفر) [مجموع الفتاوى: 7: ص 220] .
2 -قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [التوبة: ص 65، 66] ، فهؤلاء نفر كفروا بعد أن كانوا مؤمنين بسبب أنهم قالوا كلامًا ـ على وجه الخوض واللعب لا الاعتقاد والاستحلال ـ فيه تهكم واستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
قال ابن تيمية رحمه الله: (هذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسله كفر، فالسب المقصود بطريق الأولى، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله صلى الله عليه وسلم جادًا أو هازلًا فقد كفر، وقد روي عن رجال من أهل العلم؛ منهم ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة أنه قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء؛ يعني الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء. فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن سبقه. فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق!، قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقًا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون) ، ما يلتفت إليه، ولا يزيده عليه) [الصارم المسلول: ص 31] .