ثانيًا: الإيمان المنفي في الآية:-
المنفي في هذه الآية أصل الإيمان لا كماله وذلك لأمور هي:
1 -إن من المعلوم والمقرر عند أهل العلم أن الأصل في الألفاظ حقيقتها وظاهرها، ولا يُصرف اللفظ عن معناه الحقيقي الظاهر إلى المجاز إلا بدليل وقد ذكر أهل العلم أن لفظة الإيمان مع الإسلام إذا اجتمعا افترقا في المعنى واذا افترقا اجتمعا، ومعنى هذا أنه إذا انفرد أحدهما شمل معنى الآخر وحكمه، وفي الآية ورد لفظ الإيمان منفردًا فيشمل الإسلام معه فنفيه في الآية نفي للإسلام.
قال ابن القيم عند هذه الآية: (فأقسم أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله، وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه، وحتى يسلموا لحكمه تسليمًا، وهذا حقيقة الرضى بحكمه. فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان) . معنى كلامه أن من لم يُحَكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - انتفى عنه الإسلام.
وقال أبو محمد ابن حزم: (فهذا هو النص الذي لا يحتمل تأويلًا ولا جاء نص يُخرجه عن ظاهره أصلًا ولا جاء برهان بتخصيصه في بعض وجوه الإيمان) .
2 -أن سياق آيات الكتاب العزيز، يدلُّ على أن الآية (فلا وربك ... ) الآية، إنما يدل معناها على نفي أصل الإيمان، وليس كماله الواجب دليل ذلك بداية الآيات الكريمة، حيث قال تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ... إلى قوله: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ... ثم قال: فلا وربك لا يؤمنون ... كما في سورة(النساء) (آية60) - آية (65) .
فأنت ترى كيف أن الآيات تحكي موضوعا واحدًا وهو الكلام عن الطاعة والتحاكم، وأن ذلك لا يكون لغير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومعلوم كلام أهل العلم في تأويل قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون ... ) وأن هذا فيه نفي أصل الإيمان كما لا يخفى، ولا شك أن آخر الآيات تبعٌ لأولها، والقرآن يصدق بعضه بعضًا.
3 -أن هذه الآية ذكر أهلُ العلم فيها أسبابًا لنزولها، وجعلوا تلك الأسباب من جنس واحد، دون تفريق، وفي بعض ذلك أن سبب النزول كان في المنافق الذي أراد الاحتكام إلى اليهود، وأبى الاحتكام إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شك أن هذا كفر باتفاق، وهو خروج عن الملة.
4 -أن هذا الأنصاري كان قد اعترض على حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل همز ولمز برسول الله -عليه السلام- من أنه يميل إلى الزبير -رضي الله عنه-؛ لأجل أنه ابن عمّته، ويستحيل أن يكون الرجل مؤمنًا في الباطن وهو مع ذلك يفعل مثل هذا؛ فهذا لا يكون إلا عن كفر في الباطن، فمن فعل مثل ذلك في هذه الأزمان المتأخرة يجب قتله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله -عليه الصلاة والسلام-، فإنه بذلك يكون قد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وارتد على عقبيه، لكن النبي عليه السلام، ربما يكون ترك قتله لأجل تأليف الناس في بداية الإسلام، لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ولذلك قال الإمام أبو زكريا النووي الشافعي -رحمه الله- كما في (شرح مسلم) له (15/ 108) ما نصه: (قال العلماء: ولو صدر مثل هذا الكلام الذي تكلم به الأنصاري اليوم عن إنسان من نسبته صلى الله عليه وسلم إلى هوى كان كفرًا، وجرت على قائله أحكام المرتدين فيجب قتله بشرطه، قالوا وإنما تركه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس، ويدفع بالتي هي أحسن، ويصبر على أذى المنافقين، ومن في قلبه مرض ... ويقول لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه .... )
قلت: وكذلك قال مثله الإمام ابن حجر في (الفتح) (5/ 314) حيث حكى ما عبارته: