فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 293

القاعدة الخامسة: (الكفرُ العمليُّ الأصغرُ لا يُقالُ به إلا بقرينةٍ شرعيةٍ تدلُّ عليه) :

الشرح: اعلم أن الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن دلالاتها الشرعية الظاهرة إلى دلالات أخرى إلا بقرينة شرعية أخرى توجب وتفيد هذا الصرف والتأويل، ومن دون هذا الضابط تضيع الأحكام، ونكون قد فتحنا بذلك بابًا للصرف والتأويل يسمح لتأويلات وتحريفات الزنادقة الغلاة الولوج منه؛ حيث يجدون فيه المتسع لتسويغ وتمرير باطلهم وكفرهم، كما أننا نكون قد سمينا الأشياء بغير المسمى التي سماها الله تعالى به، وصرفنا لها المعاني والأوصاف غير المعاني التي أرادها الله تعالى ورسوله، فإذا أطلق الشارع على فعل معين حكم الكفر، فالأصل أن يحمل هذا الكفر على ظاهره ومدلولاته الشرعية؛ وهو الكفر الأكبر المناقض للإيمان الذي يخرج صاحبه من الملة ويوجب لصاحبه الخلود في نار جهنم، ولا يجوز صرف هذا الكفر عن ظاهره ومدلوله هذا إلى كفر النعمة أو الكفر الأصغر الرديف للمعصية، أو الذنب الذي لا يستوجب الخلود في نار جهنم إلا بدليل شرعي آخر يفيد هذا الصرف والتأويل، فإذا انعدم الدليل أو القرينة الشرعية الصارفة تعين الوقوف على الحكم بمدلوله ومعناه الأول ولا بد، قال ابن حزم رحمه الله تعالى: (لا نسمي في الشريعة اسمًا إ لا بأن يأمرنا الله تعالى أن نسميه، أو يبيح لنا الله بالنص أن نسميه لأننا لا ندري مراد الله سبحانه وتعالى منا إلا بوحي وارد من عنده علينا، ومع هذا فإن الله سبحانه وتعالى يقول منكرًا لمن سمى في الشريعة شيئًا بغير إذنه سبحانه وتعالى:(إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى، أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى) [النجم: 24] ، وقال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين. قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) [البقرة: 32] ، فصح أنه لا تسمية مباحة لملك ولا لأنس دون الله تعالى، ومن خالف هذا فقد افترى على الله سبحانه وتعالى الكذب وخالف القرآن، فنحن لا نسمي مؤمنًا إلا من سماه الله سبحانه وتعالى مؤمنًا، ولا نسقط الإيمان بعد وجوبه إلا عمن أسقطه الله سبحانه وتعالى عنه، ووجدنا بعض الأعمال التي سماها الله سبحانه وتعالى إيمانًا لم يسقط الله سبحانه وتعالى اسم الإيمان عن تاركها فلم يجز لنا أن نسقطه عنه لذلك، لكن نقول إنه ضيع بعض الإيمان ولم يضيع كله كما جاء النص) [الفصل في الملل والأهواء والنحل: 3: ص 191] ، والأدلة الشرعية على صحة هذه القاعدة كثيرة جدًا، إليك بعضها:

1 -كفران النعمة، وكفران العشير: كما في الحديث الذي يرويه البخاري بسنده عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أُريت النار، فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت ما رأيت منك خيرًا قط) ، فتأمل كيف أن الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ حملوا صفة الكفر على الكفر بالله، لإطلاقها مجردة عن القرينة التي تصرفها عن الكفر بالله إلى المعصية التي هي دون الكفر، إلى أن وضح لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المراد من الكفر في هذا الموضع هو كفر النعمة وكفر الإحسان، وليس بالكفر الذي تذهبون إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت