فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 293

2 -وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا، ومن شرب سمًا فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدا ً) [رواه مسلم] ، فظاهر الحديث أن المنتحر القاتل لنفسه كافر؛ لأن الخلود في جهنم أبدًا هو للكفار الذين يموتون على الكفر والشرك، وليس لأهل التوحيد العصاة، ولكن لوجود قرائن شرعية أخرى تصرف الكفر عن المنتحر القاتل لنفسه من غير استحلال، علمنا بالضرورة أن المنتحر ليس كافرًا، وأن الوعيد الوارد بحقه هو من قبيل الزجر والتغليظ وبيان عظمة الذنب، وأن صاحبه مهما طال عذابه في نار جهنم فنهايته إلى الخروج منها برحمه الله تعالى وفضله، والقرينة التي تصرف الكفر عن المنتحر هو ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطيًا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: ما لي أراك مغطيًا يديك؟ قال: قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت. فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (اللهم وليديه فاغفر) ، فكونه غفر الله بحسنة هجرته إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له بالمغفرة، علمنا بالضرورة أنه مات مسلمًا رغم قتله لنفسه؛ لأن الكافر الذي يموت على الكفر مهما تعاظمت حسناته لا يغفر الله له، ولا يجوز أن يدعى له بالمغفرة والرحمة كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء) [النساء: 48] .

3 -وكذلك قاتل المسلم عمدًا، فإن ظاهر النصوص تدل على كفر القاتل، كما في قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: 93] ، والخلود الأبدي في نار جهنم من شأن من يموت على الكفر كما تقدم، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) [رواه مسلم] ، وغيرها من الأدلة التي ظاهرها يدل على كفر قاتل المؤمن عمدًا، ولكن لوجود قرائن شرعية أخرى تصرف الكفر الأكبر عن القاتل علمنا بالضرورة أن المراد هو الكفر العملي الأصغر، وأن قتل النفس بغير حق يعتبر من كبائر الذنوب التي لا تخرج صاحبها من الملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت