المسألة التاسعة: (مَن كفَّرَ مُسلِمًا، فقد كفَرَ) :
الشرح: قاعدة (مَن كفَّرَ مُسلِمًا، فقد كفَرَ) صحيحة دلت عليها جملة من النصوص الثابتة الصحيحة، منها قوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (إذا كفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (من دعا رجلًا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه) ، وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل مسلم أكفر رجلًا مسلمًا، فإن كان كافرًا، وإلا كان هو الكافر) [متفق عليه، صحيح سنن أبي داود:3921] ، ومن رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أكفر رجلٌ رجلًا إلا باء أحدهما بها: إن كان كافرًا وإلا كفر بتكفيره) [رواه ابن حبان، صحيح الترغيب: 2775] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (من رمى مؤمنًا بكفرٍ فهو كقتله) [متفق عليه] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فهو كقتله) [رواه البزار، صحيح الترغيب: 2777] ، فهو كقتله لما يترتب عليه من تبعات وانتهاك للحرمات، واعلم أنه لا يقدم على تكفير المسلم إلا واحد من أربعة: مستحل مكذب لحكم الله تعالى، وهازئ لاعب، ومتأول مخطئ، ومجتهد مخطئ، أما المستحل المكذب لحكم الله: فكفره ظاهر، وعلة كفره أنه أجاز لنفسه معارضة حكم الله، وأن يصف الأشياء بخلاف ما وصفها الله تعالى، كأن يقول الله تعالى عن شيء هذا حلال، فيقول هو ـ ومن غير عذر معتبرـ: لا، بل هو حرام. ويقول الله تعالى: من فعل كذا فهو مؤمن، ويأتي هو ليقول: لا، بل من فعل كذا فهو كافر، فيحكم على الأشياء بغير حكم الله تعالى، ويصفها بغير ما وصفها الله تعالى به، فما يصفه الله تعالى بالإيمان يصفه هو بالكفر، ويرميه بالكفر، ومثل هذا لا شك في كفره وخروجه من الإسلام، وأما الهازل اللاعب: الذي يكفر المسلم على وجه الهزل واللعب والاستهزاء بالأحكام الشرعية، فهذا أيضًا لا شك في كفره، لقوله تعالى: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة:65، 66] ، وهذه آيات نزلت في أناس قالوا كلامًا ـ على وجه الخوض واللعب والاستهزاء ـ في المؤمنين هو أقل شأنًا وخطورة من تكفيرهم، ومع ذلك فقد كفروا بعد إيمانهم.
قالوا عن المؤمنين: (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء) فكفروا بسبب هذه المقولة بعد إيمانهم .. فكيف بالذي يرمي المؤمنين ـ على وجه الخوض واللعب والاستهزاء ـ بالكفر والخروج من دائرة الإسلام، لا شك أنه أولى بهذا الحكم (قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) .
وأما المتأول المخطئ: كالذي يكفر مسلمًا عن شبهة أو تأويل خاطئ، فهذا رغم أنه آثم ـ لأنه قضى عن جهل بغير علم ـ إلا أنه لا يكفر لوجود التأويل المرجوح، وشبهة الاستلال ببعض النصوص التي تمنع من لحوق الوعيد العام بالمعين، كالخوارج الذين كفروا بعض الصحابة ومن والاهم من المسلمين، وقالوا بكفر أهل الكبائر من المسلمين، ومع ذلك لشبهاتهم وتأويلاتهم لم نجد أحدًا من الصحابة قال بكفرهم، حاملًا عليهم قاعدة من كفر مسلمًا فقد كفر، مع اجتماعهم على تأثيمهم ووجوب جهادهم وقتالهم.