فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 293

قال ابن تيميه رحمه الله: (والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتلًا للأمة وتكفيرًا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيرهم، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين) ، وقال أيضًا: (وهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب بل بما يرونه هم من الذنوب، واستحلوا دماء أهل القبلة لذلك، فكانوا كما نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم:(يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) ، وكفّروا علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان ومن والاهما، وقتلوا علي بن أبي طالب مستحلين لقتله، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي منهم، وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة، لكن كانوا جهالًا فارقوا السنة والجماعة)، فقال هؤلاء: ما الناس إلا مؤمن أو كافر، والمؤمن فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات، فمن لم يكن كذلك فهو كافر مخلد في النار. ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك، فقالوا: إن عثمان وعليًا ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله وظلموا فصاروا كفارًا [الفتاوى: 7: ص 217، 481، 482] ، أما المجتهد المخطئ: كالذي يخطئ في تكفير المسلم عن اجتهاد، وبعد أن يكون قد أعمل نصوص وقواعد الشريعة وما تقتضيه من أحكام، فهذا رغم خطئه فهو معذور، بل له أجر كما قال صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر) ، ونحو ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بأنه منافق وأنه قد نافق وكفر وغير وبدل، وذلك لما وشى إلى كفار قريش بسر زحف المسلمين لفتح مكة، مما حمله على أن يستأذن في قطع عنقه لكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أن حاطبًا ليس منافقًا وأن عقده لا يزال سليمًا. وبنفس الوقت لم يقل لعمر قد حكمت على أخيك المسلم بالنفاق والكفر وهو غير ذلك وبالتالي فقد حار النفاق والكفر عليك، وذلك لأن عمر كان مجتهدًا في حكمه وقوله هذا، خلاصة القول: مما تقدم يعلم أن قاعدة (من كفر مسلمًا فقد كفر) صحيحة لكن ليست على إطلاقها، وأن لها ما يخصصها ويقيدها، وذلك بحسب حال المكفِّر والمكفَّر، لذا فمن يريد استخدام هذه القاعدة ويحملها على أعيان من الناس لا بد له من أن يراعي التفصيل المتقدم، لكي لا يضع القاعدة في غير موضعها المناسب، وحتى لا يجد نفسه مضطرًا لتكفير إخوانه بل والخواص من الدعاة وأهل العلم، وهو لا يعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت