فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 293

القاعدة العاشرة: (من لم يُكَفِّر الكافر، أوشَكَّ في كُفْرِهِ، فقد كَفَر) :

الشرح: فكما أن تكفير المسلم بغير موجب أمر جلل كما تقدم في شرح القاعدة السابقة، كذلك عدم تكفير الكافر أو الشك في كفره يُعتبر أمر جلل وخطير جدًا، لذا يتعين على المسلم كما يحتاط لنفسه من أن يقع في مزالق تكفير المسلم من غير موجب، أن يحتاط كذلك ويحذر أشد الحذر من أن يقع في مزالق ومحاذير عدم تكفير الكافر!

وقاعدة (من لم يُكَفِّر الكافر، أوشَكَّ في كُفْرِهِ، فقد كَفَر) قاعدة صحيحة دلت عليها نصوص الشريعة، وقد عدها أهل العلم من جملة نواقض الإسلام التي تخرج صاحبها من الملة.

1 -قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) [الكافرون:1] ، فلا بد من مخاطبتهم بهذا الخطاب القرآني القاطع من غير تلجلج ولا ضعف ولا مواربة (يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) .

2 -وقال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة:4] ، فلا بد من مصارحتهم بهذا القول وبكل وضوح وظهور (إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) وهذا من تمام التوحيد ولوازمه.

3 -قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (من لم يكفر المشركين أو يشك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفَرَ إجماعًا) [الرسائل الشخصية: 213] ، فتأمل قوله: (كفر إجماعًا) وهذا يعني أنه لا خلاف بين أهل العلم على صحة هذه القاعدة.

والعلة في كفره، أن الذي لا يكفر الكافر يكون قد سمى الأشياء بغير مسمياتها الشرعية، وحكم عليها بخلاف حكم الله تعالى، حيث جعل من الكفر والشرك إسلامًا وإيمانًا ومن الكفار والمشركين الذين يستحقون المعاداة مسلمين مؤمنين يستحقون الموالاة والجنة، وهذا منه تعقيب على الله تعالى ورد لحكمه، وتكذيب وجحود لما أمر الله به وإن لم يسمه هو تكذيبًا وجحودًا، فمثله مثل من يضاهي شرع الله تعالى بشرع مغاير، حيث أن الله تعالى وصف الكفر بصفات من يتصف بها فهو كافر مشرك في دين الله، ثم يأتي هو ليقول: لا، هذه الصفات غير كفرية، ومن يتصف بها ليس كافرًا، بل هو مؤمن تجب له الموالاة والجنة!!، وهذا - لا شك - أنه من الكفر البواح، والتكذيب الصراح الذي لنا فيه من كتاب الله وسنة رسوله برهان.

واعلم أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها، حيث لا يجوز حملها على كل من لا يكفر الكافر، فهناك من لا يكفر الكفار عن اجتهاد وتأويل، ومنهم من لا يكفر عن جهل مُعذر، وهؤلاء لهم حكم آخر مختلف وإليك تفصيل ذلك:

1 -من لا يكفر الكافر عن اجتهاد وتأويل معتبر: كتوقف بعض أهل العلم عن تكفير تارك الصلاة، وكذلك اختلافهم في تكفير بعض الفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة وغيرهم، وبالتالي لم نجد من يرى كفرهم قد حمل قاعدة (من لا يكفر الكافر، كافر) ، على الفريق الآخر من أهل العلم الذي لا يرى كفرهم، وذلك لأن توقفهم عن التكفير كان هو الراجح بالنسبة لهم، وهو موقف ناتج عن اجتهاد وتأويل، والمجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، كما دلت على ذلك السنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت