ونحو ذلك اختلاف أهل العلم فيما بينهم على كفر (الحجاج) وكان الشعبي يقول: (أشهد أنه - يعني الحجاج - مؤمن بالطاغوت كافر بالله) ، وقال طاووس: (عجبًا لإخواننا من أهل العراق يسمون الحجاج مؤمنًا) ، فتأمل كيف وصف المخالفين له من أهل العلم في العراق بأنهم إخوان له، وذلك لعلمه أن موقفهم ناتج عن اجتهاد، وأن ما ظهر له من طغيان الحجاج الذي دعاه لتكفيره لم يظهر لهم.
وهذا فقه ينبغي التنبه له والاستفادة منه، فكم يُوجد من الإخوة من يختلفون فيما بينهم على تكفير شخص معين، بحسب ما يرجح لكل من الطرفين، وكان الجدال يمتد بهم إلى أن ينتهي بالذين يرون كفر ذلك المعين أن يكفروا من لا يرون كفره من إخوانهم، ويرتبون على ذلك ولاء وبراء، ويحصل فيما بينهم من الجفاء والمقاطعة ما هو أعظم فتنة مما اختلفوا عليه ابتداء، وسببه ذلك كله يعود لاستخدامهم القاعدة الآنفة الذكر استخدامًا خاطئًا، ووضعها في غير موضعها الصحيح، وحملها على حالات لا يجوز أن تحمل عليها!.
2 -من لا يكفر الكافر عن جهل مُعذر: وليس عن عناد ومضاهاة لشرع الله تعالى، وهذا نوعان:
أ- جاهل بنواقض الإيمان أو بعضها: بحيث لو وقع شخص بناقضة من هذه النواقض لا يظنه إلا مسلمًا لجهله بما يخرج المرء من الملة، ومثل هذا يعذر بالجهل إن كان جهله معتبرًا كأن يكون عن عجز لا يمكن دفعه بسبب حداثة عهده بالإسلام، أو سبب عيشه في منطقة نائية عن العلم، وهو لا يستطيع حراكًا لطلب العلم في مظانه، أما إن كان يعيش في بلاد المسلمين وقد ظهرت فيها علوم الشريعة، ومن اليسير عليه طلبها وتحصيلها، لكنه لا يفعل لانشغاله بالدنيا وزينتها فإنه لا يعذر حينئذٍ بالجهل.
ب- وجاهل بحال الكافر: حيث أنه لا يعرف عنه شيئًا يمكنه من الحكم عليه، أو يعرفه لكن لا يعرف عنه ما يخرجه من الملة، ومثل هذا يعذر بجهله إلى أن يُعرف له حال ذاك الكافر بالدليل والبينة القاطعة والمانعة للظن والاحتمالات، فإن تردد بعد ذلك ولم يكفره فإنه يكفر، وعليه وعلى أضرابه تحمل القاعدة الآنفة الذكر (من لم يُكَفِّر الكافر، أوشَكَّ في كُفْرِهِ، فقد كَفَر) .
لكن يجب التنبه إلى أنه يوجد فرق بين كافر مجهول الحال يعيش على هامش الحياة وليس له أي أثر ظاهر على المجتمع وحياة الناس، وكافر اشتدت فتنته على البلاد والعباد، وهو ظاهر للناس بكفره وفتنته، يفتنهم عن دينهم ويعيث في الأرض فسادًا وخرابًا، فإن جهل حال الأول ممكن ووارد وهو غير واجب وربما يندب إلى تجاوزه وتجاوز من كان على شاكلته، وعدم الاشتغال به حيث لا يترتب على ذلك أدنى مضرة في الدين والدنيا معًا، بينما جهل حال الآخر - على ما تقدم من صفاته - فإنه غير وارد ولا يحتمل وبخاصة بحق الخواص من أهل العلم وغيرهم من المسلمين، لما يترتب على الجهل بكفره من الفساد والفتنة والإضلال ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
لذا نقول: أيما كافر اشتدت فتنته على الناس، يجب على أهل العلم من المسلمين رصده وتعريته، وبيان حقيقته للناس، وإظهار حكم الله فيه الذي يستحقه، حتى يجتنبوه ويحذروه ويقوموا بالواجب الشرعي نحوه.
والسكوت في هذا الموضع لا يُستساغ وهو خيانة لله ولرسوله والمؤمنين، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام:55] ، ومن لوازم بيان سبيل المجرمين فضح المجرمين ذاتهم، وبيان حكم الله تعالى فيهم.
وفي الحديث عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل آتاه الله علمًا فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار) [رواه الطبراني، صحيح الجامع:2714] .