فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 293

ثالثًا: لماذا لم يُكفر النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنصاري ولم يقتله؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال لابد أن أنبه على أمر وهو:

أن هذا الأنصاري بدري أي: ممن شهد بدرًا وليس في سبب النزول ما يدل على أن هذه الحادثة كانت بعد موقعة بدر فانتبه إلى هذا الأمر حتى لا يُقال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فلو كان هذا القول كفرًا للزم أن يُغفر الكفر، والكفر لا يُغفر ولا يُقال عن بدري إنه كفر.

قال العلامة القرطبي -رحمه الله- ما نصه:

(وقد ظهر لي أن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف، تضمن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السالفة، وتأهلوا أن يغفر لهم ما يُستأنف من الذنوب اللاحقة، ولا يلزم من وجود الصلاحية للشيء وقوعه. وقد أظهر الله صدق رسوله في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك، فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا، ولو قدر صدور شيء من أحدهم لبادر إلى التوبة ولازم الطريق المثلى. ويعلم ذلك من أحوالهم بالقطع من اطلع على سيرهم) [الفتح ج 9 ص 626] .

وقال الإمام ابن تيمية -رحمه الله- كما في (الصارم) (3/ 991) ما عبارته: (وإن كانت القصة بعد بدر فإن القائل لهذه الكلمة يكون قد تاب واستغفر وقد عفا له النبي صلى الله عليه وسلم عن حقه، فغفر له، والمضمون لأهل بدر إنما هو المغفرة: إما أن يستغفروا إن كان الذنب مما يُغفر إلا بالاستغفار أو لم يكن كذلك، وإما يدون أن يستغفروا ... فعُلِمَ أن المضمون للبدريين أن خاتمتهم حسنة، وأنهم يغفر لهم وإن جاز أن يصدر عنهم: قبل ذلك ما عسى أن يصدر، فإن التوبة تجبُّ ما قبلها)

ومما يدل على أن الحادثة كانت قبل بدر ما ورد في سبب النزول الثاني أنها نزلت في المنافق، واليهودي اللذين تحاكما إِلى كعب بن الأشرف وهذا إنما كان قبل بدر لأن ابن الأشرف ذهب عقب بدر إلى مكة، فلما رجع قُتل، فلم يستقر بعد بدر في المدينة استقرارًا يُتحَاكم إليه فيه، وهذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول.

وللإجابة على السؤال أقول:

أن قول الأنصاري صدر منه قبل نزول الآية فيلزم أن يُقال إذًا إنه بعد نزول الآية تاب واستغفر إذ من الممتنع أن يصدر منه مثل ذلك بعد نزول الآية ولا يكفره النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ هو أصر ولم يُظهر على قوله توبةً وندمًا ورجوعًا.

قال الإمام ابن تيمية كما في (الصارم) (3/ 991) ما نصه:

(وإن كانت القصة بعد بدر فإن القائل لهذه الكلمة يكون قد تاب واستغفر، وقد عفا له النبي صلى الله عليه وسلم عن حقه ... )

وقال الإمام ابن حزم في محلاه المجلد (11) في المسألة (2199) : (حتى إذا بيّن الله أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهما، وجب أن من وقف على هذا قديمًا وحديثًا وإلى يوم القيامة فأبى وعَنَدَ فهو كافر. وليس في الآية أن أولئك عندوا بعد نزول الآية)

وهذا تمامًا كالذين استهزؤوا بالقراء في غزوة تبوك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتلهم، فلا يصح أن يستدل بهذا على أنهم لم يكفروا باستهزائهم .. بل الصواب أن يقال أنهم أظهروا التوبة بعد أن حكم الله بكفرهم، فعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم بظاهرهم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت