القاعدة السادسة: (من حلَّل حرامًا، أو حرَّم حلالًا فقد كفر) :
الشرح: اعلم أن استحلال ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله كفر بواح، وردة صريحة عن الدين؛ وذلك أن التشريع ـ التحليل والتحريم، والحظر والإباحة، والاستحسان والتقبيح ـ يعتبر من أخص خصوصيات الله تعالى، وهو حق خالص له سبحانه لا يجوز لأحد من خلقه أن يشركه فيه، أو يدعيه لنفسه، كما قال تعالى: (وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) [الكهف: 26] ، وقال تعالى: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [يوسف: 40] ، وأيما جهة أو امرئٍ يدعي هذا الحق لنفسه من دون الله تعالى فقد جعل من نفسه ندًا لله، وربًا على العباد يُعبد من جهة الطاعة والاتباع، وأيما امرئٍ يقر له بهذا الحق ويتبعه عليه فقد اتخذه ندًا لله سبحانه وتعالى ومعبودًا وربًا من دون الله.
والأدلة الشرعية الدالة على صحة القاعدة أعلاه، وكفر هذا النوع من الناس كثيرة جدًا نذكر منها الأدلة التالية:
1 -قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة:31] ، قوله تعالى: (أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) ؛ أي مشرعين يُرجعون خاصية التحليل والتحريم، والحظر والإباحة إليهم من دون الله .. فاتخذوهم بذلك أربابًا من دون الله، فتلك كانت عبادتهم لهم من دون الله، قال البغوي: (فإن قيل أنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان قلنا: معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلوا ما أحلوا وحرموا ما حرموا، فاتخذوهم كالأرباب) [تفسير البغوي: 3: ص 285] ، عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي: (يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك) ، فطرحته فلما انتهيت إليه وهو يقرأ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، حتى فرغ منها قلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال: (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟"قال: قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم) "
2 -ومن الأدلة كذلك قوله تعالى: (وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الأنعام:121] ، أي إن أطعتموهم في تحليل ما يُحلونه لكم من دون الله، أو تحريم ما يحرمونه عليكم من دون الله، إنكم لمشركون!، قال البغوي: (وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: الله قتلها، قالوا: أفتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله الكلب والصقر والفهد حلال، وما قتله الله حرام؟ فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله هذه الآية:(وإن أطعتموهم) في أكل الميتة (إنكم لمشركون) ، قال الزجاج: وفيه دليل على أن من أحل شيئًا مما حرم الله أو حرم ما أحل الله فهو مشرك) [تفسير البغوي: 2: ص 127] .