ثانيًا: موقف الإسلام من الأحزاب الإسلامية:
اعلم أن الإسلام لا يقر ولا يجيز العمل الحزبي الجماعي - كما هي عليه صورة الأحزاب السياسية الإسلامية في هذا الزمان - أو التعددية الحزبية في ظل دولة الإسلام التي تحكم بما أنزل الله في جميع شؤون الحياة، وتعمل على إعلاء كلمة الله في الأرض؛ أي لا يجوز للمسلمين - مهما سمت غاياتهم وشرفت مقاصدهم - أن يشكلوا تكتلات وأحزابًا سياسية مغايرة للجماعة الأم التي تتمثل في الحاكم المسلم - الخليفة - وجميع المسلمين القاطنين في دولة الإسلام، والتابعين إلى سلطان الدولة والخليفة، وذلك لأوجه:
-منها، أن الشارع قد أمر بالوحدة والاجتماع، والاعتصام بحبل الله جميعًا، وأن نكون عباد الله إخوانًا متحابين، وكره إلينا التفرق، والاختلاف، والتنازع، والتباغض والتدابر، وهذا مطلب يستحيل تحقيقه في ظل شريعة الأحزاب!، قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا) [آل عمران: 103] ، وقال تعالى: (ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينَهم وكانوا شيعًاكل حزبٍ بما لديهم فرحون) [الروم: 31، 32] ، ولا يخفى كل منصف متجرد للحق، أن الأحزاب بصورتها المعروفة، وبرامجها المتباينة، وطموحاتها الظاهرة في السلطة وفي تداول السلطة، من شأنها أن تفرق كلمة المسلمين ووحدتهم، وتضعف شوكتهم، وتعدد ولاءاتهم وانقساماتهم في أحزاب وشيع متباعدة متناحرة متنافرة، تورثهم التباغض والتحاسد، والتقاطع والتدابر، وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية التي يترتب عليها من المفاسد والمضار مالا يعلمه إلا الله عز وجل، وافتراض أحزاب من دون أن يترتب على وجودها الأمراض الآنفة الذكر هو من قبيل افتراض الشيء وضده في آنٍ واحد، وهو كذلك زعم يرده الواقع الملموس والمعايش لواقع الأحزاب، وهذا وجه معتبر من الأوجه التي تحرم الأحزاب في ظل دولة الإسلام.
-ومنها، أن الأحزاب السياسية وغيرها - كما هو معلوم من سيرتها وأخلاقها - من شأنها الاستشراف إلى حد التقاتل والتضارب في طلب الإمارة والرياسة والحكم، وهذا الخلق الملموس منها هو الغاية القصوى من وجودها، وإن تسترت بمزاعم الإصلاح وحب النصح، فهي غاية لأجلها يستحلون كل الطرق والوسائل الملتوية التي لا يرضاها الله تعالى؛ كتزكية أنفسهم على الله وعلى العباد، وطعنهم وانتقاصهم لقدر الآخرين الذين هم ليسوا من أحزابهم وتكتلاتهم، وغير ذلك من الأخلاق المذمومة في شرع الله، وفي الحديث الذي يرويه البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من قومي، فقال أحد الرجلين: أمرْنا يا رسول الله، وقال الآخر مثله، فقال: (إنا لا نولي هذا من سأله ولا من حرص عليه) ، وسؤال الإمارة، والتنافس عليها، والحرص عليها هو من الخلق الظاهرة للأحزاب.