-ومنها، أن الأحزاب من شأنها وديدنها - كما هو معلوم لدى الجميع - إظهار عيوب السلطان وزلاته للناس بطريقة استفزازية فيها كثير من الرياء، تفرق ولا توحد، وتنفر ولا تبشر - ليظهروا أمام الجماهير أنهم أمناء على مصالحهم - فيحدثون بذلك فجوة واسعة تعدم بسببها الثقة بين الشعب والنظام الحاكم، تمهيدًا لأنفسهم ولحكمهم، مما قد يترتب عليه زعزعة أركان الحكم وفقدان الاستقرار والأمن، ولربما يؤدي إلى سفك الدماء وانتهاك الحرمات ... كل ذلك لا لشيءٍ سوى إشباع رغبة الأحزاب في الوصول إلى الحكم، ولو كان ذلك على حساب الكليات والمقاصد العامة التي جاء الدين لحمايتها والحفاظ عليها!، وهذا خلق لا يرضاه الإسلام ولا يقره، وهو من خلق المنافقين المذبذبين الذين يعطون صفقة يمينهم للسلطان المسلم ويبايعونه على السمع والطاعة في المعروف، ثم هم في المقابل ينقضونها باليد الأخرى عندما يعطون العهد والبيعة للحزب ولأمير الحزب!، روى البخاري في صحيحه، عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده، فقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة) ، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرًا أعظم من أن يُبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم يُنصب له القتال، وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه، وفي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه، قال صلى الله عليه وسلم: (لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة) .
-ومنها، أن الأحزاب من شأنها - في ظل دولة الإسلام - أن تربي المسلمين على الازدواجية والتلون والغدر والنفاق؛ فهم من جهة يعطون العهد والبيعة للسلطان المسلم على السمع والطاعة، ومن جهة ثانية وباليد الأخرى يعطونها للحزب وأمير الحزب!، وهذا من خلق المنافقين المذبذبين، كما قال تعالى: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) [النساء: 143] ، وفي الحديث، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه) [رواه البخاري] .
-ومنها، أن مبايعة أمير الحزب - في ظل وجود الإمام العام للمسلمين - على السمع والطاعة، والمتابعة في المنشط والمكره، هو مما حرمه الإسلام أشد التحريم، إلى درجة أنه أمر بقتل من يطلب البيعة لنفسه من الناس بعد أن تمت البيعة العامة للخليفة المسلم، كما في الحديث الذي يرويه مسلم: (إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما) ، وذلك من أجل الحفاظ على وحدة الأمة، وعلى قوة تماسكها وشوكتها في وجه المخاطر والأعداء، وأمير الحزب عندما يطلب البيعة لنفسه ولحزبه، فهو يمثل في ذلك موقف الذي يستشرف لمنصب الخلافة مع وجود الخليفة وبعد أن تمت البيعة الشرعية له، وهذا، وكل من يقف موقفه - بنص الحديث - حكمهم في دين الله تعالى القتل، وقطع العنق، وقال صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) [رواه مسلم] .