-ومنها، أن الأحزاب من شأنها أن تُضعف عقيدة الولاء والبراء في الله عند المسلمين، لأنها تربيهم على عقد الولاء والبراء في الحزب وفي أمير الحزب، حيث يصبح المسلم المتحزب يوالي من يوالي حزبه وأمير حزبه بغض النظر عن أخلاقه واستقامته، ويعادي من يعادي أو يجافي حزبه أو شيخ حزبه، فالموالاة - في هذه الصورة - تُعقد لذات الحزب ولذات الأمير، وليس لذات الله عز وجل، وهذا ضرب من ضروب الشرك - الذي قل من يتنبه له ويسلم منه - لأن المحبوب لذاته هو الله تعالى، وما سواه يُحب له سبحانه وتعالى وأيما مخلوق يُحب لذاته - بحيث يُعقد الولاء والبراء فيه وعليه من دون الله - فقد اتُّخذ ندًا لله عز وجل في أخص خصائصه وصفاته، قال ابن تيمية - رحمه الله: (كون الأستاذ يريد أن يوافقه تلميذه على ما يريد فيوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه مطلقًا، وهذا حرام ليس لأحد أن يأمر به أحدًا، ولا يُجيب عليه أحد، بل تجمعهم السنة وتفرقهم البدعة، يجمعهم فعل ما أمر الله به ورسوله، وتفرق بينهم معصية الله ورسوله) [الفتاوى 28/ 19] .
-ومنها، أن هذه الأحزاب بصورتها المعروفة والمعهودة، تعتبر من البدع المحدثات التي لم يكن يعرفها سلف الأمة من قبل، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، كما في الحديث الذي أخرجه مسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) ، وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن أبي سلمة عبد الرحمن قال: (لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متحزِّقين ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحد منهم على شيء من أمر الله، دارت حماليق عينيه كأنه مجنون) [صحيح الأدب المُفرد: 432] ، وقوله: (لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متحزقين) ؛ أي لم يكونوا متقبضين ومتجمعين في جماعات وحِزق متعددة منطوية كل جماعة على ذاتها، بل كان الواحد منهم يعيش للأمة كل الأمة، يألم لجميع المسلمين من غير تفريق، إذا ذُكِّر بأمر فيه طاعة لله، دارت حماليق عينيه - لشدة استجابته وانقياده لتنفيذ أمر الله - كأنه مجنون!.
-ومنها، أن وجود الأحزاب المتعددة والمتباينة في برامجها ووسائلها في المجتمع الواحد - وإن سُميت إسلامية - يعتبر أرضية خصبة لتحركات المنافقين، وغيرهم من الزنادقة الملحدين أصحاب النفوس المريضة، والغايات الخطيرة، حيث أنهم يجدون في هذه الأحزاب الغطاء الساتر لتحركاتهم ونشاطاتهم الهدامة، والملاذ الآمن لأشخاصهم إذا ما فُضح أمرهم وعُرفت حقيقتهم، لأن الأحزاب من شأنها - كما هو ملاحظ ومشاهد - أن تبالغ في الذود والدفاع عن أفرادها - وبخاصة إذا كانوا في موقع القيادة للحزب - في حال كشفت خيانتها، وعُرفت مؤامراتها، لأن معاقبة الأفراد وتوجيه التهم إليهم - وبخاصة إذا كانوا قياديين - هي معاقبة للحزب ولسمعة الحزب، لأجل ذلك فالعدالة - في ظل مجتمع حزبي - لا تأخذ طريقها بسهولة إلى التنفيذ والتطبيق، ومن يتابع سيرة كثير من الأحزاب المعاصرة، يجد كثيرًا من الشخصيات الخطيرة - يهودية وماسونية وعناصر تابعة لأجهزة أمن الطواغيت - قد استطاعت أن تتسرب إلى داخل هذه الأحزاب، مستغلة حالة الخلاف الدائرة بين الأحزاب ذاتها، لتستلم فيها مناصب عالية تشكل من خلالها خطرًا على أمن وسلامة الجماعة وربما الأمة برمتها.
-ومنها، أن الغاية من وجود الأحزاب السياسية - كما يقولون - التداول على السلطة بالطرق السلمية كل فترة زمنية يتم التعارف على تحديدها فيما بين الأحزاب ذاتها، تُقدر بخمس سنوات أو أكثر أو أقل!، وهذه فكرة مرفوضة من أوجه: