فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 293

2 -ومن الأدلة كذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات:6] ، قال ابن القيم: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، لما بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني المصطلق - بعد الوقعة - مصدقًا، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيمًا لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فحدثه الشيطان: أنهم يريدون قتله، فهابهم ورجع من الطريق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهمَّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه، ونؤدي إليه ما قبلنا من حق، فبدا لنا فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. فاتهمهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبعث خالد بن الوليد خفية في العسكر، وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال له:"أنظر فإن رأيت ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار"ففعل ذلك خالد، ووافاهم، فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير. فرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبره الخبر، فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) ، والتبين طلب بيان حقيقته، والإحاطة بها علمًا [تفسير القيم لابن القيم:440] ،

وفي قوله: (أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ) قال ابن جرير الطبري: فتبينوا لئلا تصيبوا قومًا برآء مما قُذفوا به بجناية بجهالة منكم [جامع البيان: 11: ص 385] ، وأعظم الجنايات ظلمًا قذف الناس البرآء بالكفر والارتداد عن الدين من غير علم ولا تثبت؛ لما يترتب عليه من تبعات خطيرة لا تُحمد عقابها.

3 -وفي الحديث، عن عبادة بن الصامت، قال: (دعانا النبي عليه الصلاة والسلام فبايعناه، فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) [متفق عليه] ،

والكفر البواح هو الكفر الصريح الظاهر الذي لا يحتمل تأويلًا ولا صرفًا، الذي لنا فيه دليل صريح من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومفهوم الحديث أنه إذا رؤي من الحاكم كفر محتمل ومتشابه ليس بواحًا وصريحًا - يمكن تأويله وصرفه عن ظاهره المكفر - فإنه لا يُكفّر، ولا يُخرج عليه بالسيف؛ لأن الخروج بالسيف على الحاكم من لوازمه التكفير أو أن يكون قد وقع في الكفر البواح، والعكس أيضًا فإن التكفير من لوازمه الخروج بالسيف إذا توفرت الاستطاعة، فكل منهما لازم وملزوم للآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت