فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 293

منهم عذرهم لوجود الأرض التي يقدرون على الهجرة فيها، فقالت الملائكة لهم: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) فعلام لم تهاجروا؟!، ومما يؤكد على هذا الباعث على الهجرة أن المكث بين أظهر الظالمين، والجلوس معهم في مجالسهم ومحافلهم - من غير إنكار - يؤثر سلبًا على دين وخُلق المسلم ولا بد، لذا جاء النهي عن الجلوس مع الظالمين، كما في قوله تعالى: (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام: 68] ، وقال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) [النساء: 140] ، فجعل سبحانه حكم الجالس معهم - من غير إنكار ولا قيام ولا إكراه - حكمهم (فإنهم مثلهم) من حيث الكفر أو الظلم أو الفسق، بحسب ما يدور في المجلس؛ فإن كان كفرًا فهو كافر مثلهم وإن كان فسقًا أو ظلمًا دون الكفر فهو فاسق وظالم، كما في الأثر عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه أخذ قومًا على شرابٍ، فضربهم وفيهم صائم! فقالوا: إن هذا صائم، فتلا عليهم قوله تعالى: (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره إنكم إذًا مثلهم) ، وقال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة: 78، 79] ، جاء في تفسير هذه الآية: أن بني إسرائيل لما وقعت في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وسليمان وعيسى ابن مريم، هذا فيمن يجالسهم بعد أن ينهاهم فلا ينتهوا .. فكيف بمن يجالسهم من غير نهي ولا إنكار، لا شك أنه أولى باللعن والطرد من رحمة الله تعالى. وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مثل جليسِ الصالح والسوء كمثل حامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبةً، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحًا خبيثةً) [متفق عليه] ، فهجر الظالمين، وهجر مجالسهم مطلب شرعي قد حضت عليه الشريعة، لا بد من مراعاته والعمل به، وفق ضوابط الشرع.

2 -سلامة النفس:

فحيثما يجد المرء نفسه مهددة بالقتل أو الهلاك المحقق من قبل الظالمين .. وليس له القدرة على دفع الظلم عن نفسه فله أن يُهاجر طلبًا للسلامة إلى حيث يجد الأمن والأمان لنفسه وأهله، فمن مقاصد الشريعة التي جاء الإسلام للحفاظ عليها وصونها من أي خطر يتهددها (النفس) ، فرخص للمسلم أمورًا عدة من أجل أن يُحافظ على نفسه من الهلاك أو الموت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت