فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 293

قبل أن يتعرضوا لهذا النوع من الإكراه، لكنهم أبوا أن يفعلوا شيئًا من ذلك!، أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس: أن أناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم يرمي به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب عنقه فيقتله، فأنزل الله (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) ، قال ابن كثير في التفسير: (قال الضحاك: هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول تعالى:(إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) أي بترك الهجرة، (قالوا فيم كنتم) أي لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة)، فتأمل كيف أن تخلفهم عن الهجرة كان سببًا في خروجهم مع المشركين وتكثير سوادهم وتقويتهم على المسلمين .. وهذا مزلق لا بد من اعتباره ومراعاته عند الحديث عن الهجرة وبواعثها، وكان ممن اضطروا - غير معذورين - على الخروج مع المشركين لقتال المسلمين يوم وقعة بدر العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم وعقيل، ونوفل، ولما أُسروا قال له النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: (افد نفسك وابن أخيك) قال يا رسول الله: ألم نصلِّ قبلتك، ونشهد شهادتك؟! قال: (يا عباس إنكم خاصمتم فخُصمتم ثم تلا عليه هذه الآية:(ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) ، وفي الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه: (من كثر سواد قومٍ فهو منهم، ومن رضي عمل قومٍ كان شريك من عمل به) ، قال ابن حجر في الفتح: (فيه تخطئة من يقيم بين أهل المعاصي باختياره لا لقصد صحيح من إنكار عليهم مثلًا أو رجاء إنقاذ مسلم من هلكة، وأن القادر على التحول عنهم لا يُعذر كما وقع للذين كانوا أسلموا ومنعهم المشركون من أهلهم من الهجرة ثم كانوا يخرجون مع المشركين لا لقصد قتال المسلمين بل لإيهام كثرتهم في عيون المسلمين فحصلت لهم المؤاخذة بذلك) [فتح الباري: 13: ص 38] ، وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ - رحمه الله: (من مقاصد الهجرة الانحياز إلى الله بعبادته والإنابة إليه، والجهاد في سبيله، ومراغمة أعدائه، وإلى رسوله بطاعته وتعزيره ونصره ولزوم جماعة المسلمين، ولذلك يقرن الهجرة بالإيمان في غير موضع من كتاب الله) [الرسائل المفيدة: ص181] .

4 -الدعوة إلى الله تعالى:

ومن بواعث الهجرة كذلك والانتقال من بلد إلى بلد، ومن أرض إلى أرض، الدعوة إلى الله تعالى وتبليغ رسالة التوحيد إلى العالمين، وتثبيت الناس على دينهم وعبادتهم لله عز وجل، كما قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت: 33] ، فرسالة الإسلام أرسلت للعالمين، ونبينا صلى الله عليه وسلم بعث للعالمين، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وبالتالي فإن دعوته لا بد من أن تُحمل إلى العالمين، لكن يُشترط فيمن ينهض لهذه المهمة العظيمة أن يكون من ذوي العلم الذين يملكون من المعرفة والعلم ما يحتاجه الناس وما يمكن أن يُعطيه للآخرين .. وإلا فإن جاهل الشيء كفاقده لا يمكن أن يُعطي شيئًا أو ينتفع منه أحد!.

تنبيه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت