المسألة الثانية: الفرق بين الخلافة والمُلك:-
يقول العلامة ابن خلدون في ذلك: إن المُلك الطبيعي: هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والسياسي: هو حمل الكاف على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي: حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها.
والفرق بين الخلافة والملك ثابت في الأحاديث الصحيحة الصريحة عن النبي ? من ذلك:
(1) قول حذيفة رضي الله عنه: (قال النبي صلى الله عليه وسلم:(تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاظًا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) . ثم سكت) [حسنه الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم (5) (1/ 8) ] .
(2) ومنها الحديث الذي رواه أهل السنن وغيرهم عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ? عن النبي قال: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه - أو الملك - من يشاء) . وفي رواية: (ستكون الخلافة ثلاثون عامًا ثم يكون الملك) [رواه أبو داوود وصححه الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم (460) ، (1/ 198) ] .
(3) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جلس جبريل إلى النبي ? فنظر إلى السماء فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك: أملكًا أجعلك، أم عبدًا رسولًا؟ قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد. فقال رسول الله: (لا، بل عبدًا رسولًا) [رواه أحمد وابن حبان وقال عنه الألباني: صحيح على شرط مسلم. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ح رقم 1002، (3/ 3) ] ، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن ملكًا مع أنه إمام المسلمين بلا منازع.
ومن الفروق أيضًا الطريق التي يتم بها الملك أو الخلافة، فالملك يتم عادة عن طريق القهر والغلبة والعهد من الآباء للأبناء ونحو ذلك، دون الرجوع إلى أهل الحل والعقد، أما الخلافة فلا تكون إلا بإقرار أهل الحل والعقد، سواء عن طريق الاختيار أو عن طريق الاستخلاف كما سيأتي.
لكن مما يجب التنبيه له أن كلامنا هنا لا يشمل الملك الذي ذكره الله لبعض أنبيائه كداود وسليمان وغيرهما عليهما السلام، فقد قال الله تعالى عن داود: (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) [البقرة: 251] ، وقال عن سليمان: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا) [البقرة: 102] ، وغيرهم من الأنبياء ممن سُمُّا ملوكًا فهؤلاء أنبياء معصومين، ولا شك أن ملكهم على نهج الحق قطعًا، لذلك لا يرد عليه الذم الوارد في الأحاديث السابقة لعصمتهم عليهم السلام.