ولذلك لما تكلم فقال: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} ؛ سمعه الصحابي زيد بن أرقم، وكان فتًى صغيرًا، فذهب وأخبر بها، وقال إنه يقول ويعرّض بالرسول، وأنه هو الذليل وصار هو العزيز في المدينة، إذًا هذه الكلمة في حد ذاتها كفر. ورغم ذلك، فإنه لما جيء به إلى الرسول نفى، وكذّبه القرآن فيما بعد، ورغم ذلك فإنه فعل أفاعيل كثيرة، حتى في حادثة الإفك صار يؤجّج مشاعر الناس في المدينة، هذا ما يسمى بالطابور الخامس.
ولذلك لما قال سيدنا عمر:"دعني أضرب عنق هذا المنافق"، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم: (لا، حتى لا يُقال-أو إن العرب تقول- إن محمدًا يقتل أصحابه) ، الرسول لا يخشى أن يقيم عليه الحد أو الحكم، لكن لأنه لا يوجد دليل صريح بيّن، هي معلومات عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكن الناس لا تعلم، فربما يظنون أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقتل أصحابه، لأنه في جملة من يصحب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، هو منافق، ولكن الناس ستنظر إليه أنه مسلم، لأنهم لا يعلمون هذه القضايا.
إذًا لو أن هذا المنافق كان قد صرّح تصريحًا كان أقام عليه الحد، لكنه كان يتفلَّت، وهذه خطورة النفاق.
إذًا أقسام الناس في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجملة هكذا: (مؤمنٌ، كافرٌ، منافقٌ) . المؤمن: مسلم في الظاهر ومؤمن في الباطن. الكافر: كافر في الظاهر والباطن. المنافق: مسلم في الظاهر منافق في الباطن، ولكنه في الحقيقة في الآخرة هو كافر خالد في النار، نتكلم عن النفاق الأكبر فهو خارج من الإسلام.
طبعًا شيخ الإسلام ابن تيمية، استفاض واستعرض آيات كثيرة جدًا، حتى إنك تجد في القرآن الكريم، في سورة البقرة مثلًا؛ تجد أن القرآن بدأ بآيتين في وصف المؤمنين، ثم بآيتين أيضًا عن الكفار، ولكن انظر من الآية رقم ثمانية: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} ، إلى الآية رقم عشرين عن النفاق وعن المنافقين، كل هذه الآيات؛ مرة ضرب بهم مثلًا في الماء ومرة بالنار.
ولكن في المؤمنين انظر؛ قال: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} ؛ هذه تصف المؤمنين. ثم يأتي: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} ، هذا في شأن الكفار. لكن عندما بدأنا في النفاق: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} .