الصفحة 142 من 248

الإمام أبي حنيفة. والإمام أبو الحسن الأشعري من مدينة البصرة نشأ في العراق، ومذهبه كان في العراق، وهو شافعي، يعني هذا إمام حنفي والآخر شافعي.

وعلماء الكلام كما قال طاش كبرى زاده وهو من علماء الماتريدية الكبار وهو حنفي أيضًا: قال:"إن رئيس أهل السنة والجماعة في علم الكلام هما اثنان أحدهما حنفي والآخر شافعي، الحنفي هو أبو منصور الماتريدي، والآخر شافعي هو شيخ السنة"وألفاظ مبجلة وضخمة جدًا وخاصة في كتب الأحناف وبصفة خاصة في كتاب (طبقات الشافعية الكبرى) للسبكي، لأنه كان متعصبًا للأشاعرة مغالٍ جدًا، ولكن رغم أنه لا يوجد بينهما التقاء، فكيف حدث هذا التوافق الغريب في هذه الآراء والتشابه في مسائل الإيمان بشكل يكاد يكون شبه تطبيقي؟! يعني تلازم تطبيقي في التعريف، يعني الماتريدية والأشاعرة في الإيمان يعرفونه بالمعنى اللغوي، وهو التصديق، مثل تعريف الجهمية، كيف حدث هذا؟

حاول بعض المحققين أن يجمعوا بين هذا وذاك فقالوا ربما يكون السبب أن الكُلَّابية أتباع سعيد بن كُلَّاب الذي تأثر به الأشعري كما قلت لكم بعد سن الأربعين خرج وخلع ثوب الاعتزال ووجد في آراء ابن كُلّاب أفكارًا جيدة فتأثر بمذهب الكُلّابية، رغم أن المؤرخين يقولون أنه أيضًا لم يلتقِ بابن كُلّاب نفسه ولكن تأثر بتلامذته، إذًا الجامع بينهما قد يكون كالآتي: أن الكُلّابية كانت منتشرة في خراسان ومناطق بلاد ما وراء النهر، وبما أن الأشعري قد تأثر في بغداد وفي البصرة والعراق بآراء الكُلّابية فهنا حصل امتزاج، فالذي نقل ولقَّح الأفكار للاثنين وجمع بينهما في الرد على المعتزلة؛ لأن الماتريدية كانت ترد على المعتزلة، والكُلّابية كانت ترد على المعتزلة، والأشعري أيضًا لما خرج أراد أن يرد على المعتزلة فأخذ كلامًا لابن كُلّاب والكُلّابية، فإذًا الذي جمع وزاوج بينهما كانت الكُلّابية؛ لأن الكُلّابية كانت بين بين، كانت لها أفكار بدعية معينة ولها أفكار متأثرة أيضًا بأهل السنة، فجمع بينهما في التوفيق.

لذلك فالسر الذي يجعلنا نحتار في قصة لماذا هذا التوافق والتناغم والاتفاق بين الماتريدية والأشاعرة هو أنهم تأثروا جميعًا بالكُلّابية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت في خراسان وظهرت أيضًا في البصرة وبغداد وهكذا؛ لأن العلماء كانوا يتنقَّلون، والتلامذة كذلك كانوا ينقلون بعض الرسائل والكتب في العالم الإسلامي بسهولة قبل سايكس بيكو والتقطيع وهذه العوائق التي يضعونها أمام المسلمين الآن، إذًا هذا الذي جمع بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت