الصفحة 166 من 248

السنة ليس بالضرورة ذلك، والإيمان يتبَّعض، وقد يكون الرجل فيه بعض الفسق وبعض النفاق وبعض الكفر أو خصلة من هذا, ولكنه مؤمن بإيمانه فاسق أو عاصٍ بكبيرته.

لكنهم اعتبروا الإيمان كتلة واحدة، فكان من آثار ذلك أنهم اختلفوا، فالجهمية قالوا أنه المعرفة فقط، ولا يقولون بزيادة الإيمان ونقاصه، ولا يقولون بالاستثناء في الإيمان، فهم قد أخرجوا الأفعال وحتى الأقوال من تعريف الإيمان، فهو عندهم التصديق والاعتقاد القلبي فقط بدون أفعال ولا أقوال.

والذين قالوا أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وأخرجوا الأعمال، وقالوا بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، وتصادموا بالنصوص الشرعية التي تكلَّمت عن زيادة الإيمان في القرآن الكريم، وهم يقولون لو كان هناك زيادة ونقصان، إذًا فهناك شك، وهم يعتبرون أن إيمان جبريل -عليه السلام-، وإيمان الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإيمان أبي بكر-رضي الله عنه-، وإيمان أحد الفسَّاق من الناس واحدًا! فإذًا في هذه الحالة الإيمان ثابت لا يزيد ولا ينقص.

وقد تصادموا بنصوص قرآنية واضحة، فكيف يوفِّقون بين هذه النصوص التي تكلَّمت عن زيادة الإيمان ونقصانه، كقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} ، وقوله تعالى: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ؟!

وكثير من الأدلة استعرضها العلماء، كالإمام الحافظ الكبير أبو عبيد الله القاسم بن سلَّام المتوفى سنة 154 هـ، في كتابه (الإيمان) عندما رد على هؤلاء الذين قالوا أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فكيف يعترضون على قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} ، في سور آل عمران آية 137، وقوله تعالى: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} ، وقوله تعالى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} كما في سورة الفتح، ومواضع كثيرة في القرآن الكريم، فهذه نصوص واضحة لا لبس فيها.

ولذلك احتجَّ عليهم أيضًا عندما ذكر باب الزيادة في الإيمان والنقصان منه في كتابه، إذ ساق في سنده عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال: قال معاذ بن جبل:"اجلس بنا نؤمن ساعة"يعني نذكر الله، وهذا إسناده صحيح على شرط الشيخين، وذكره الإمام أبو بكر ابن أبي شيبة استند لهذا الحديث وهو المتوفي سنة 235 هـ، ورد على هذه الشبه والتناقض الذي وقعوا فيه.

فهم أولوها تأويلات -تجنبًا للتكفير- وقالوا المقصود هنا يزداد إيمانًا أي يزداد يقينًا، فالإيمان عندهم يقين فوق اليقين، أو إن أصل الإيمان هو تمكُّن الإقرار في القلب، وكل هذا لأنهم لا يعترفون أن الأعمال من صلاة وزكاة وأعمال القلوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت