ثم يناقشونهم في اللغة. رأينا تفنيدات العلماء ورأينا الإمام أبي عبيد القاسم بن سلّام أنه فنّدهم ودحضهم دحضًا شديدًا، لفرق المرجئة والفرق الذين اعتمدوا على الإيمان فقط بتعريفه باللغة العربية.
ولذلك فإن الإمام ابن تيمية لما احتجَّ الباقلاني على {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} ، وقال: هذا الإيمان معناه التصديق، فقال: لا، لا يُسلم بهذا؛ لأن كلمة الإيمان في اللغة قد تكون بمعنى التصديق، بمعنى الإقرار، بمعنى الطمأنينة، لكن هنا كلمة الإيمان دائمًا تأتي في الغيب، الأشياء الغيبية نقول عنها إيمان ولا نقول عنها تصديق. الخبر المباشر أقول لك مصدق أو صادق، ولذلك {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} إخوة يوسف لما جاءوا أباهم جاءوا ليخربوه عن ماذا؟ عن خبر هو رآه وهم رأوه أم يخبرونه عن شيء غيبي؟ يخبرونه عن شيء غيبي؛ عندما يحكون له عن قصة أخيهم والفبركة التي أتوا بها وبدم كذب، فإذًا يتكلم عن غيب.
ولذلك ابن تيمية يقول: الإيمان في هذه الحالة خاص هنا، لا يُقال دائمًا إلا إذا كان عن شيء غيبي، نقول: نؤمن بعذاب القبر. ويقول الدليل الذي استند إليه الباقلاني هو دليل ضده أصلًا، وهو لا يجد أدلة أقصى شيء عند الباقلاني هذا، قال: والإيمان نقول هذا فلان يؤمن بالشفاعة وهذا شخص يؤمن بعذاب القبر مثلًا أو لا يؤمن فمعناها يصدق، فقال لا؛ هذه المصطلحات ظهرت بسبب وجود هذه البدعة التي أنكرت الشفاعة. وجود بدعة الذين أنكروا عذاب القبر، فأنتم الذين ابتدعتموها، هذه البدعة أظهرها المعتزلة وغيرهم. فهذا كلام غير صحيح.
لأنه عندما يقول: أنا مؤمن بالشفاعة ليس معناها مؤمن يعني تصديق معرفة فقط، معناها مؤمن بالشفاعة يعني يؤمن حقيقة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سيشفع في أصحاب الكبائر والذنوب، وهناك شفاعة على حسب المستويات، والمؤمنون يشفعون، والملائكة تشفع، هذه نؤمن بها. والمعتزلة لا يؤمنون أصلًا بموضوع الشفاعة لأنهم يكفّرون أصحاب الكبائر، فكيف سيشفع له؟! لذلك ينكرون هذه الأحاديث.
فهو يرد يقول لا، لا يوجد واحد يقول: أنا أؤمن بعذاب القبر ولا يتصور أن هناك عذابًا، يعني أصدق بعذاب القبر هو يؤمن بعذاب القبر أنه لو مات الإنسان سيتعذّب في البرزخ، في هذه المرحلة بين الدنيا والآخرة.
إذًا معناها أن الذي استدل به الباقلاني هذا كلام غير مسلَّم له، لأنه لا يوجد إيمان اسمه التصديق فقط والمعرفة القلبية فقط، ولا يُتصور أن الإيمان بمعنى أن أؤمن لو مت سأتعذب، أنا أؤمن بالشفاعة في أهل الكبائر، هؤلاء لا يؤمنون أصلًا بالشفاعة.