فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 50

ومن الأمن إلى الخوف، ومن الوحدة إلى الفرقة والشتات، ومن العزة إلى المذلة والهوان، فهل من معتبِرٍ وهل من مدَّكر!

أنشدَ قُسُّ بنُ ساعدة الإيادي: في الذّاهبين الأوَلين ... مِنَ القُرون لنا بَصَائرْ

لما رأيتُ موارِدًا ... لِلمَوْتِ ليس لها مَصَادرْ

ورأيتُ قَومي نَحْوَهَا ... يَمْضِي الأصاغر والأكابرْ

لا يَرْجِع الماضي إليَّ ... ولا من الباقين غابرْ

أَيْقَنْتُ أنِّي لا مَحَالةَ ... حَيث صار القَوْمُ صائر

{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} هل أغنت عنهم حصونهم المنيعة وبروجهم المشيدة وجيوشهم الجرَّارة؟ كلا واللهِ الذي لا يعجزه شيء، فهو تعالى العليم لا تخفى عليه خافيةٌ ولا تغيب عن علمه غائبة، القديرُ على إلحاق العذاب بمن خالفه وعصاه. {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا}

حلمه تعالى ولطفه بخلقه

{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45) }

ومن لطفه تعالى وحلمه ورحمته بعباده أنه لا يعجل لهم العقوبة بل يمهلهم ويؤخرهم لعلهم يتوبون ويرجعون، ولو عجَّل المؤاخذة وأعقب كل ذنب بعقوبة عاجلة وبادر العصاة بحربٍ شاملةٍ لما بقي على ظهر الأرض من دابة، ولكن يمهل ويؤخر إلى أجلٍ قد قدّره فإما أن يجمع لهم بين عذاب الدنيا والآخرة وإما أن يدّخر لهم العذاب ليكون أشدَّ وأعظمَ نكايةً.

يقول صاحب الظلال:"إن تتابع الأجيال في الأرض، وذهاب جيل ومجيء جيل، ووراثة هذا لذاك، وانتهاء دولة وقيام دولة، وانطفاء شعلة واتقاد شعلة، وهذا الدثور والظهور المتواليان على مر الدهور. . إن التفكير في هذه الحركة الدائبة خليق أن يجد للقلب عبرة وعظة، وأن يشعر الحاضرين أنهم سيكونون بعد حين غابرين، يتأمل الآتون بعدهم آثارهم ويتذاكرون أخبارهم، كما هم يتأملون آثار من كانوا قبلهم ويتذاكرون أخبارهم، وجدير بأن يوقظ الغافلين إلى اليد التي تدير الأعمار، وتقلب الصولجان، وتديل الدول، وتورث الملك، وتجعل من الجيل خليفة لجيل، وكل شيء يمضي وينتهي ويزول، والله وحده هو الباقي الدائم الذي لا يزول ولا يحول."

ومن كان شأنه أن ينتهي ويمضي، فلا يخلد ولا يبقى، من كان شأنه أنه سائح في رحلة ذات أجل؛ وأن يعقبه من بعده ليرى ماذا ترك وماذا عمل، وأن يصير في النهاية إلى من يحاسبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت