أما على الصعيد الثقافي فتهدد العولمة بتهميش الخصائص الثقافية والحضارية الأصيلة في الدول النامية مقابل ازدهار أنماط الثقافات الغربية أو ما تسمى أحيانا"الأمريكية Americanization وهي نزعة تقاومها وبشدة العديد من الدول الغربية الأخرى وخصوصا فرنسا. ويمكن للعولمة أن تكون بالتالي تهديدا للأنساق الثقافية الأصيلة إذا ما حاولت تهميشها لكنها قد تكون فرصة ثقافية عالمية إذا ما ساهمت في إثراء التنوع الثقافي والاتصال والحوار بين مختلف الشعوب والحضارات."
أما للحديث عن البعد البيئي للعولمة فلا بد من العودة سنة واحدة تقريبا إلى الخلف والى مؤتمر سياتل الوزاري لمنظمة التجارة الدولية في تشرين الثاني 1999.
تعتبر منظمة التجارة الدولية World Trade organization (WTO) إحدى أهم مؤسسات تطبيق العولمة بجانب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وقد باشرت المنظمة أعمالها في مطلع عام 1995 بعد انتهاء جولة أورجواي للجات GATT والتي استمرت منذ العام 1986 وحتى عام 1993. وفي مدينة سياتل الاميركية عقد في تشرين الثاني 1999 المؤتمر الوزاري لأعضاء المنظمة البالغ عدهم 135 دولة آنذاك، وكان هذا المؤتمر علامة فارقة في تاريخها، حيث أوضحت المظاهرات العارمة ضده في سياتل وجود تحالف دولي قوي من المنظمات غير الحكومية تقاوم توجهات العولمة وتحذر من أخطارها على البيئة بالأخص.
وكانت مشاهد المظاهرات العارمة في مدينة سياتل الاميركية المناوئة لمنظمة التجارة العالمية هي آخر المشاهد الكبرى في القرن العشرين وأشارت إلى أن الحس الإنساني في العالم لا زال قويا ولم يتم تهجينه لصالح معادلة التجارة الحرة والمكاسب المالية التي ميزت العقد الأخير من القرن العشرين. وأشارت المظاهرات إلى نمو حركة ليبرالية جديدة Neoliberalism تتخذ من حقوق الإنسان والبيئة والديمقراطية معايير أخلاقية جديدة، ويأمل الكثير من المثقفين في العالم أن تكون"ثورة سياتل"بداية لحركة ليبرالية إنسانية جديدة توازن نمو العولمة"أليبرالية المتوحشة"التي تتخذ من اقتصاد السوق نبراسا لها وتهدد بتجريد الإنسان من هويته السيكولوجية الخاصة.