فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 90

فإن قلت: ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه ) )، ولمسلم: (( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ) ).

فأقول: نعم، ولكن قد علمت سابقًا أن التحريم لا يستلزم النجاسة، وتقدم لك حديث: (( إن الماء لا يجنب ) )، فعلة النهي إنما لسد ذريعة تقذيره وإفساده على الناس، فإنه لو علم الناس أن الجنب قد اغتسل في هذا الماء القليل أو أن أحدًا قد بال فيه فإن النفوس تعافه فتفسد على الناس موارد مياههم، فيقع الضيق والحرج، فسدًا لهذه الذريعة حرم الشارع ذلك، فهذا الماء جار على الأصل مالم يظهر فيه وصف النجاسة، والأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل.

وكذلك الماء الذي وقعت فيه نجاسة وهو قليل على أي مصطلحٍ كان، فإنه إذا لم يظهر فيه وصف النجاسة فهو ماء طهور مطهر رافع للحدث مزيل للخبث، وأما حديث: (( إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث ) )فإنه استدلال بالمفهوم، وحديث: (( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ) )استدلال بالمنطوق، وقد تقرر في القواعد أن المنطوق مقدم على المفهوم.

ويقال أيضًا: إن المتقرر في القواعد أن المفهوم لا عموم ويتحقق صدقه بصورة واحدة فقط، أي أنه لا يلزم أن كل ماء في الدنيا دون القلتين يحمل الخبث؛ لأن المفهوم لا عموم له كما ذكرت لك.

ويقال أيضًا: إن الحمل الذي يخرج الماء عن أصل الطهورية إنما هو حمل خاص وهو الحمل المقتضي لتغير أحد أوصاف الماء بالنجاسة الواقعة فيه، وأما الحمل الذي لا تظهر فيه أوصاف النجاسة فإنه لا حكم له.

ويقال أيضًا: إن المفهوم من حديث القلتين ليس هو تحقيق حمل الخبث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت