الثالثة: أنك تعلم من المطالب بالدليل؟ فإن المطالب بالدليل دائمًا هو الناقل عن الأصل، ذلك لأن الأصل هو البقاء على الأصل، فإذا جاءك أحد ينقلك عن الأصل فقل له: أين الدليل الناقل؟ فإن هذا الأصل قد ثبت بالدليل، وما ثبت بالدليل فلا ينتقل عنه إلا بمقتضى دليل آخر، فأين الدليل الذي يوجب علي أن أنتقل عن هذا الأصل؟ فإن جاء به صحيحًا صريحًا فأهلًا وسهلًا، وإن لم يأت به فلا أهلًا ولا سهلًا، ولذلك قرر العلماء - رحمهم الله تعالى - القاعدة التي تقول: (الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه) ، فإذا جاءك رجلان أحدهما يفتي بمقتضى الأصل المتقرر، والآخر يفتي بخلاف الأصل، فإن المطالب بالدليل هو المفتي بخلاف الأصل.
الرابعة: استقامة الفتوى في هذا الباب وعدم اضطرابها؛ لأنك سوف تفتي في كل مسائل ذلك الباب بما تقرر من هذا الأصل، ولن تتعداه أبدًا إلا فيما ورد الدليل بخلافه، فنقول في هذه الجزئية فقط بمقتضى الدليل، وما لم يرد فيه دليل بخصوصه فإنه باقٍ على الأصل، وهذه فائدة عظيمة لا يقدر قدرها إلا من سار على درب التقعيد والتأصيل والضبط، فالفتوى المبنية على ذلك لا تراها أبدًا إلا وهي مطردة موزونة ليس فيها اختلاف ولا اضطراب، فإن اختلاف فتوى العالم واضطراب كلامه موجب لسقوط هيبة كلامه وفتواه من القلوب، فلا يقيم الناس له وزنًا ولا يأبهون به في أي وادٍ أفتى.
وهذه الفوائد وغيرها لم يكن طالب العلم ليحصلها لو لم يسلك طريق التأصيل، ومفاد هذه القاعدة التي نحن بصدد شرحها أن يقال: إنه إذا تقرر لك في بعض الأبواب الفقهية أصل من الأصول فإن الواجب عليك هو البقاء عليه وعدم تعديه إلا إذا ورد الناقل الصحيح المعتمد، فإن ورد الناقل المعتمد فانتقل معه، وأما إذا لم يرد الناقل فالأصل هو البقاء على الأصل، فلا تقبل كلام من يريد نقلك عن هذا الأصل المتقرر إلا إذا كان مستندًا لدليل شرعي صحيح