فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 90

المسألة الرابعة: وهو أن الأصل في الكلام الحقيقة كما قدمنا لك، وأنه لا يجوز الانتقال عن حقيقة الكلام إلى مجازه إلا لقرينة صحيحة صريحة، وهذا إذا كانت الحقيقة أصلًا متصورة في الذهن، أما إذا كانت الحقيقية من أمور الغيب التي لا مدخل للعقل فيها فإنه يجب عليك البقاء على الحقيقة، فإذا قلت: رأيت أسدًا جالسًا على كرسيه في المدرسة، فأنت تعلم جزمًا ويقينًا أني لا أريد حقيقة الأسد وإنما أريد الطالب الشجاع، ذلك لأنك قد تصورت حقيقة الأسد وأنه لا يمكن أن يكون على كرسي في المدرسة، فلما عجز عقلك عن حمل الكلام على حقيقته انصرف ذهنك إلى المجاز بعد النظر في القرينة المصاحبة، لكن لو قلت لك: قال تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} ، فإنه لا حق لك أن تقول: المراد باليد المجاز وليس الحقيقة، لأنك أصلًا لم تتصور حقيقة اليد المضافة إلى الله تعالى حتى تصرف الكلام من الحقيقة إلى المجاز؛ لأن يد الله تعالى من عالم الغيب الذي لا مدخل للعقل فيه، فأين الدليل أو القرينة التي توجب لك الانصراف من الحقيقة إلى المجاز؟ بالطبع ليس هناك دليل ولا قرينة، وإنما هي خيالات وأوهام قامت في ذهن المبتدع لأنه لم يتصور من حقيقة اليد المضافة إلى الله تعالى إلا ما يعهده من يد المخلوق، فلما قام ذلك في ذهنه أراد الفرار منه فقال: اليد لا يراد بها الحقيقة وإنما يراد بها المجاز، وهذه هي الآفة التي أوقعت نفاة الصفات والممثلة فيما أوقعتهم فيه من التحريف والجحود، وأعني بالآفة قولهم: الاتفاق في الأسماء يستلزم الاتفاق في الصفات، وهذه شبهة شيطانية وفذلكة إبليسية أدخلها في عقولهم العفنة وتشربتها أفهامهم المتلوثة بقاذورات علم الكلام المذموم، فصاروا ينزلون كلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - عليها، فهي المقياس عندهم فيما يقبل ويرد، نعوذ بالله من الخذلان.

ولذلك فالنجاة من هذا المزلق أن نعتقد الاعتقاد أن الأسماء والصفات من عالم الغيب باعتبار كيفياتها وأنه لا يمكن للعقل أن يعرف كنه شيء من صفات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت