الله تعالى، فإذا كنت لا تعرف الحقيقة أصلًا، فكيف تقول: هذا الكلام لا يمكن أن يراد به حقيقته؟ وأي حقيقة هي التي لا يمكن أن تراد؟ ولهذا السبب نقول: آيات الصفات وحقائق اليوم الآخر يجب حملها على حقائقها ولا ننصرف من الحقيقية فيها إلى المجاز؛ لأن الانصراف من الحقيقة إلى المجاز لا يكون إلا إذا كان الحقيقة متصورة في الذهن، وحقائق الصفات واليوم الآخر من عالم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وإذا قلت لك: قال تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} ، فالمراد بالوجه هنا حقيقته اللائقة بالله جل وعلا من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف، فلا حق لك أن تقول: لا، لا يراد بالوجه هنا حقيقته وإنما يراد به المجاز، لأنني سأقول لك: وهل أنت أصلًا تعرف حقيقة الوجه المضاف إلى الله تعالى حتى يمتنع في ذهنك حمل الوجه على الحقيقة؟ بالطبع لا، وإنما أنت بجهلك لم تتصور من الوجه المضاف إلى الله تعالى إلا الوجه المضاف إلى المخلوق، فأردت أن تفر من هذا الشيء الذي توهمته فعطلت صفة الوجه وحرفت الكلم عن مواضعه حتى يتوافق كلام الله جل وعلا مع ما تخيلته واعتقدته، ولم تكلف نفسك أن تصحح ما ثار في ذهنك ليتوافق مع دلالة الكتاب والسنة، فصار النص تابعًا لعقلك، وهذا هو سبب هلاكك ووقوعك فيما وقعت فيه، ففي الحقيقة أن المبتدعة نفاة الأسماء والصفات إنما حملوا آيات الصفات على مجازاتها؛ لأنهم قرروا في عقولهم لها حقائق فرضتها عليهم شياطينهم، فأرادوا أن يفروا من هذه الحقائق ولم يجدوا مفرًا من ذلك إلا بتحريف الكلم عن مواضعه وصرف الكلام من حقيقته إلى مجازه، فقرر أهل السنة هذه القاعدة وهو: أن الأصل في الكلام الحقيقة ولا يجوز الانصراف من الحقيقة إلى المجاز إلا بالقرينة بعد أن تكون الحقيقة أصلًا متصورة في الذهن، وباتفاق أهل السنة أن الصفات وحقائق اليوم الآخر من عالم الغيب باعتبار كيفياتها، فحيث كانت حقائقها لم تدخل في حدود مدركات العقل فيكون الأصل فيها هو البقاء على حقيقتها ولا يجوز أن تدعي أن شيئًا منها