كما قدّمت مثالًا رائعًا في بطولة رجال الأمن الذين يحرسون مبنى المجلس النيابي, والذين ضحوا بدمائهم أمام وحشية المستعمر الفرنسي عام 1945.
وأرسلت سورية جيشها ليدافع عن أرض فلسطين, وتعرّضت للضغوط, وساهمت في صنع الوحدة مع مصر, ثم عرفت الاستقرار السياسي منذ ثورة آذار 1963، وبعدها الحركة التصحيحية 1970.
خلال هذا القرن الأخير من عمر دمشق المديد, جرت أحداث بالغة الأهمية على المستوى الثقافي والتعليمي، يمكن إيجازها فيما يلي:
1 -عرفت مشق وسورية وسائر بلاد الشام نهضة صحفية باللغة العربية, وشهدت ولادة عشرات الصحف والمجلات التي عززت قوة اللغة العربية والثقافة العربية.
2 -كانت جامعة دمشق أوَّلَ جامعة في الوطن العربي تدّرس العلوم النظرية والتطبيقية باللغة العربية، بما في ذلك الطب والهندسة. وقد نجحت في ذلك أيّما نجاح, ولا زالت مستمرة في نجاحها, ومعها الجامعات الأخرى في سورية. وقد أفرز التعليم العالي مئات الكتب والدراسات باللغة العربية، وطوّر المصطلحات العلمية والفلسفية والمعرفية لتواكب اللغات العالمية الحية, وكان لمجمع اللغة العربية الذي تأسّس عام 1919 م أثره الكبير في هذا المجال.
3 -حافظ الإعلام في سورية على قدرٍ كبيرٍ من التمسك بالفصحى والابتعاد عن اللهجات الدارجة, ونجح في ذلك نجاحًا باهرًا, لأنَّ الإعلام لا يخاطب مدينة معيّنة ولا حارة ضيقة, بل يخاطب كلَّ أقطار الوطن العربي.
4 -نشطت منذ بدايات القرن العشرين الحركة الأدبية بالفصحى؛ من رواية وقصة ومسرح, وبرز الشعر بصورة كاسحة قبل أن يفسح المجال للرواية في النصف الثاني من القرن العشرين.
وبرزت أسماء شعراء كبار على مستوى الوطن العربي؛ كالزركلي والبزم وأنور العطار وشفيق جبري وعمر أبو ريشة وغيرهم ... ثم الساحر الدمشقي نزار قباني الذي لم تعرف مدينةٌ شاعرًا عاشقًا كما عرفت دمشق عشق نزار لكلِّ تفاصيلها:
فرشتُ فوقَ ثراكِ الطاهرِ الهُدُبا ... فيا دمشقُ. .. لماذا نبدأ العتبا؟
حبيبتي أنتِ. .. فاستلقي كأغنيةٍ ... على ذراعي، ولا تستوضحي السَّببا
أنتِ النساءُ جميعًا .. ما منِ امرأةٍ ... أحببتُ بعدك .. إلا خِلتُها كذبا
ومن جانب آخر شهدت سورية - وبخاصة في النصف الثاني من القرن العشرين- حركة قصصية وروائية مذهلة، من أعلامها: عبد السلام العجيلي, حنا مينة, زكريا تامر, خيري الذهبي, شكيب الجابري, نبيل سليمان, فاضل السباعي, حسيب كيالي, وليد إخلاصي, محمد أبو معتوق, كوليت خوري, ضياء قصبجي, غادة السمان .. إلخ، والكاتب المسرحي العالمي سعد الله ونوس، ورفاقه من رجال الحركة المسرحية.
ونشطت السينما السورية والدراما التلفزيونية التي أخذت مكانها المنافس بقوة في الفضائيات العربية.