تسحر الألباب:
قال لي: صِفْ دمشقَ. مولًى رئيسٌ ... جمّل الله خَلقَهُ واحتِشامَهْ
قلتُ: كَلَّ اللسانُ في وصف قُطرٍ ... هو في وجنة البسيطةِ شامَهْ
ويرى المقّري في دمشق صورة بلده تلمسان في أقاصي المغرب فيقول:
«وعند عودتي لتلك الأقطار الجليلة الأوصاف العظيمة الأخطار, تفاءلت بالعودة إلى أوطان لي بها أوطار, إذ التشابه بينهما قريب في الأنهار والأزهار:
لَمَّا وردتُ الصّالحيّـ ... ـةَ حيثُ مُجْتَمَعُ الرفاق
وشمِمْتُ من أرض الشآ ... مِ نسيم أنفاسِ العراق
أيقنتُ لِي ولِمَنْ أُحِـ ... ـبُّ بجمع شملٍ واتّفاق
ولم يكن المقّري أول معجب بدمشق وغوطتها, فكلًّ الرحالة والجغرافيين والبلدانيين العرب والمسلمين والأجانب الذين زاروا دمشق فتنوا بها, وكتاباتهم معروفة ومدونة ومنشورة. ومن أجمل تلك الكتابات ما قاله الخوارزمي أبو بكر نزيل بلاط سيف الدولة:
«جنان الدنيا أربع: غوطة دمشق, وصغد سمرقند, وشِعب بوّان, وجزيرة الأُبلّة, وقد رأيتها كلها، وأفضلها دمشق» .
ومن بلاط سيف الدولة أيضًا يزورها الشاعر الصنوبري فيقول:
صفَتْ دُنيا دِمشقَ لساكنيها ... فلستَ ترى بغير دِمشْقَ دُنيا
تفيض جداولُ البِلَّورِ فيها ... خلال حدائقٍ ينبتْنَ وشيا
فمِنْ تُفَّاحة لم تَعْدُ خدًّا ... ومن رُمَّانة لم تَعْدُ ثديا
ونجد كتاباتٍ مماثلةً لدى ابن جبير وابن بطوطة والمسعودي والإدريسي والجيلاني وبدر الدين الحلبي والصفدي وابن الصائغ الحنفي والبدري والشيخ المارديني وعبد الغني النابلسي, وكثيرين سواهم.
سادسًا: شهدت دمشق تقلّبات القرن العشرين: اضمحلال الدولة العثمانية, الاستعمار الفرنسي, الاستقلال, نكبة فلسطين وأثرها في الحياة العربية وتفاعلاتها. واستعادت دمشق مكانتها عاصمة سياسية للجمهورية العربية السورية.
قدمت دمشق أمثلةً صارخةً في الوطنية وحفظ الذات القومية, كان من أبرزها استشهاد البطل يوسف العظمة، الذي أعلن أنّ المستعمر لن يدخل البلاد إلا على جثث الشهداء, كما تألّقت دمشق في الثورة الوطنية /1925 م/ وقال فيها شوقي:
سلامٌ من صَبا بَرَدَى أرقُّ ... ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دِمَشْقُ
جزاكُمْ ذو الجلالِ بني دِمشقٍ ... وعِزُّ الشرقِ أوَّلُهُ دِمَشْقُ