إنَّ نزيف الحروب العدوانية التي دامت قرنين من الزمن: الثاني عشر والثالث عشر للميلاد, لم يتمكن من هزيمة الروح الحضارية للأمة, على الرغم من الإنهاك واستنزاف الموارد, وبقيت الروح العربية في ألقها ووهجها وعطائها. ويكفي ذكر أمثلة لبعض أسماء المباني والمدارس والمكتبات التي تعود إلى العصور الزنكية والأيوبية والمملوكية, نعرف مدى ما خلفته تلك الحقب رغم فداحة الحروب:
-البيمارستان النوري
-دار الحديث النورية
-المدرسة العدلية
-المدرسة الأتابكية
-المدرسة الناصرية
-المدرسة الظاهرية ومكتبتها
-المدرسة الجقمقية
-المدرسة الجوهرية
إلى جانب عشرات المباني المتميزة من جوامع ومدافن وحمامات وسواها.
خامسًا: في العهد العثماني الذي امتد أربعة قرون, برزت دمشق كمحطة رئيسية هامة على طريق الحج، وأخذت اسمها (شام شريف) . وكانت قوافل الحج على قدر كبير من الأهمية دينيًا واجتماعيًا واقتصاديًا أمنيًا, وكان والي دمشق مسؤولًا عن تنظيم أمور هذه القوافل وحمايتها من قطاع الطرق, وتأمين تموينها وسلامتها وصولًا إلى الحج وعودة منه.
وقد كانت قافلة الحج ضخمة جدًا لأنها تمثل الامتداد الجغرافي لتلك الإمبراطورية المترامية الأطراف من الدانوب حتى المحيط الهندي, والشمال الإفريقي وشبه الجزيرة العربية, امتدادًا على ثلاث قارات.
كما أفادت دمشق من الاستقرار السياسي في تطوير تجارتها على طرق القوافل التجارية العالمية, حتى فتح قناة السويس الذي جعل الطريق التجاري العالمي بحريًا, فأفقد بلاد الشام الكثير جدًا من دورها الاقتصادي العالمي.
وتحتفظ دمشق ببعض المعالم العمرانية الجميلة من تلك الفترة, ومن أبرزها التكية السليمانية وعدد من الجوامع, وقصر العظم, وخان أسعد باشا, وسوق الحميدية وسوق مدحت باشا, وفي الفترة المتأخرة الخط الحديدي الحجازي.
ووصل إلى دمشق في بدايات العصر العثماني المؤرخ المغربي (المقّري) صاحب (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب) ، وهو يتحدث عنها في مقدمة كتابه بإعجاب شديد فيقول: «دمشق الشام, ذات الحسن والبهاء والحياء والاحتشام, والغوطة الغناء, وهي المدينة المستولية على الطباع, المعمورة البقاع» .
نزلنا بها ننوي المُقامَ ثلاثةً ... فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرا
ورأينا من محاسنها ما لا يستوفيه من تأنَّق في الخطاب, فالجامع الجامع للبدائع يبهر الفكر, والغوطة