فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 135

إذا أردتَ ملأتَ العينَ من بلدٍ ... مستحسنٍ وزمانٍ يشبه البلدا

ولكن تجربة المتوكل لم يكتب لها النجاح.

ولعلَّ الامتداد الأندلسيَّ لدمشق العروبة, والذي استمر ثمانية قرون, كان الأكثر تأثيرًا في تطوير الحضارة الإنسانية ومعارفها المتنوعة, هذا الامتداد الذي برز في ظلاله أعلام خالدون مثل: ابن مسّرة, ومسلمة المجريطي, وابن رشد, وابن حزم, وأبناء زُهر, وابن زيدون, والزهرواي, والشيخ الأكبر محيي الدين

ابن عربي, وابن البيطار, وابن العوّام الاشبيلي, ومئات سواهم, كان لكلٍّ منهم أثره الحاسم في مسيرة الفكر البشري, وبخاصة ابن رشد في ميدان الفلسفة والتأويل والتعددية, والزهرواي في الطب, وابن عربي في التصوف. هذه الحضارة المتسامحة المرنة المعترفة بالآخر والقائمة على أساس متين، من قول الله تعالى: {لا إكراهَ في الدِّين} .

رابعًا: وتعود دمشق إلى واجهة الأحداث في فترة حروب الفرنجة التي تسميها المراجع الأوربية (الحروب الصليبية) . ويكفي دمشق العريقة فخرًا أن ترابها يضمُّ أضرحة الأبطال الثلاثة لتلك الحروب وهم:

-نور الدين زنكي

-صلاح الدين الأيوبي

-الظاهر بيبرس

هؤلاء الأبطال الثلاثة مثّلوا ذروة التصدي للعدوان الفرنجي، واستطاعوا بحكمتهم توحيد الصفوف, وتعبئة القوى, وتحطيم جبروت العدوان.

ولكلٍّ من هؤلاء العظماء الثلاثة أيادٍ بيضاء في دمشق من الجوانب العمرانية والاقتصادية والعلمية والتعليمية, وتقترن باسم كلٍّ منهم مبانٍ مختلفة؛ كالمدارس والحمامات والمكتبات والخانقاهات والبيمارستانات, وذلك رغم الانشغال بالجهد العسكري الكبير الذي لم يَثْنِهِمْ عن المشروعات العمرانية والتعليمية, ولا تزال آثارهم حيّةً شاهدةً على عظمة تلك المرحلة.

ومن المهمّ جدًا هنا أن نشير إلى دور تلك المؤسسات التعليمية في حفظ اللغة العربية واستمرارها وغناها في ميدان المؤلفات المتنوعة, وفي ذلك ردٌّ حاسمٌ على مَنْ يحاول النبش في الأصول العريقة لهؤلاء الرجال الأبطال، لإظهار أنهم لم يكونوا من العرب, وكأنَّ الأمور تقاس بلون الدم, أو شكل الوجه.

إنَّ الثقافة هي المعيار الأول والأخير في الانتماء, وقد كانت الثقافة العربية هي المظلة الواسعة التي يحتمي بها كل مواطن من أبناء البلاد في إطار الحضارة الإسلامية السمحة التي تنطلق من قول راسخ مبين: {ادعُ إلى سبيل ربِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} .

وهكذا شكّلت تلك المراحل سياجًا دفاعيًا عن البلاد بالمعنى الاستراتيجي والعسكري, كما شكلت سياجًا ثقافيًا معرفيًا قدمت البلاد من خلاله مئات الأعلام في مجالات العلم والتأليف الموسوعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت