فهرس الكتاب
الغالب حتى صَيَّرهُ مغلوبًا له، وجعل من الدول المتتابعة حُرّاسًا للغة القرآن يحمون حماها بحكم دخولهم في الإسلام )) [1] .
وبعد هذا الاستهلال ما يلبث ان يفسر علاقة الأدب بلغة أمته وبيان خصائص اللغة العربية التي نشأت من روح الأمة، قائلًا: (( بديهي ان أدب كلَّ أمة تحكمه قوانين لغتها، وروحها المُفرع في هذا الأدب، قبل ان تحكمه المؤثرات الخارجية، وكل أدب أصيل كالأدب العربي-يستمد وجوده واستمراره من روح الأمة بعيدًا عن التقليد والمحاكاة لأي أدب كان- يتميز عادةً بشخصية قوية، قوامها الوضوح والصدق وبلاغُها التأثير والإبداع ) ) [2] .
ليصل بالقول إلى ما مفاده ان أدب هذهِ الأمة العربية في هذهِ الحقبة الطويلة، حين صار السلطان إلى غير العرب أو حين عرض له الشر والغزو والعدوان فأنه (( لم يُصب بعجز، ولم يخامره فتور أو ضعف؛ لأن القوة الدافعة التي تعمل في باطنهِ لا تُغالبُ، ولا تنالُ منها المؤثرات أو تهزمُها؛ لأنها تقبس اقباسها ودفعها من مصادر نفسية تتقد جذّوتها ولا يخبو لها أُوار، وربما بدت لنا في هذه العصور-إذا لاحظنا الاعاصير التي تناوحت حولها من الداخل ومن الخارج فتثبت لها راسخة شامخة اشدَّ وقدًا، واعلى سنًا وسناءً مما كانت عليه في دهرها القديم، شأنها هذا هو شأن النار حين تُنكَّسُ، فيرتفع لهبها ويشتد وقده وضرامه، وما أكبر شَبَهها في هذا بما شبه به اسامة بن منقذ الأمير الشاعر المجاهد قوة عزيمتةِ، وتأبِيَهُ أَنْ يلين للأيام التي تحاول ان تنال منه، حين قال:
كم تَغضَُ الأيامُ منّي، ونأبى ... همتي أن تنال مني مُناها
أنا في كَّفها كجذوةِ نارٍ ... كُلما نُكّستْ تعالى سناها
وكأنه إياها عَنى هذا بهذا، ولم يعنِ نفسه؛ لأن القوة التي كانت يستشعرها في نفسه، ويغالب بها عواديَ البُغاة على الوطن العربي حروب المئتين بين الشرق والغرب، هي قبس من روح الأمة وروح الامة هذا وهو روح أدبها الحي الخالد، افرغته فيه
(1) ينظر: نظرات فاحصة في قواعد رسم الكتابة العربية وطريقة تدوين ناريخ الأدب العربي، دار الشؤون الثقافية، 1991 م: 187.
(2) المصدر نفسه:194.