الذهنية يرى انهم كانوا ينقادون وراء المعاني، كما تتداعى في اذهانهم، أو كما تستدعيها خواطرهم، وتستوحيها قرائحهم، وانهم كانوا عبيد الفاظهم وتراكيبهم واساليبهم فينقادون إليها ويتبعون سننها [1] .ويعزو هذا الأمر إلى ان (الشعراء كانوا يتوخون إرضاء أذواق الصفوة المختارة من عشاق الشعر في البيئات العلمية الخاصة، نخصُّ بالذكر منهم السلاطين والأمراء والقضاة ... فلا بدع ان رأينا ظهور الفنون الشعرية المستحدثة في الاوساط الشعبية، او في بيئات زهديه تصوفية، اقتضاها الفراغ الكبير الذي أحدثته اتجاهات الشعر التقليدي ... وطبيعي جدًا ان نجد أنفسنا أمام هذين التيارين المتعارضين، ولكن يحتمل ان ينفصل أحدهما عن الآخر لأننا لاحظنا بعض التأثر العامي والأسلوب الشعبي في شعر الأعلام الكبار من شعراء هذا العصر) [2] .
أن النظرات النقدية الموضوعية التي عبّر عنها الدكتور موسى باشا تنم عن قدرتهِ في التحليل والتفسير للظواهر الفنية والأسلوبية التي تعرض لها في دراسته هذهِ إذ يتراءى بوضوح موقفهِ الايجابي صوب أدب هذه المرحلة الذي اعتمده في بحثه من خلال ما يصوره من الشأن العظيم الذي كانت عليه النهضة العلمية الكبرى-على حد قوله- ومن المعلوم ان مصر والشام وفد إليهما كثيرًا من العلماء والفقهاء من بقية الأقطار الأخرى إلا إنهما كانتا تعيشان حالة من الاضطراب السياسي وانحلال الأمن الداخلي، ومع ان المماليك عنوا عناية بالغة بالشعراء والعلماء والأدب عمومًا إلا أننا لا نغفل ما كانوا يبتغونه من وراء ذلك من مديح وثناء لتخليد انفسهم والاشارة بمكانتهم.
من الدراسات التي يمكن ان تقع ضمن هذا الاتجاه دراسة الأستاذ (إبراهيم الوائلي) الموسومة (( الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر ) )المطبوع عام 1961 م. فهو في البدء يستهل دراستهِ في عرض لجوانب الحياة السياسية وأبرز ملامحها. والحالة الاجتماعية للمجتمع العراقي وعاداتهِ وتقاليدهِ والثقافة العامة فيه وأهم ألوانها ليرسم لنا صورةً معبرة كاشفة عن حياة الشعراء وثقافتهم وسلوكهم وطريقة تناولهم للموضوعات العامة منها والخاصة مما تختص بالشعر السياسي.
(1) المصدر نفسه: 704 - 705.
(2) المصدر نفسه: 705 - 706.