شكواهم وايصالها إلى الولاة أو من يهمه الأمر أو إلى عامة الناس لكي يقفوا على ظروفهم، والاسى به أحوالهم المتردية. وقد ذكر الدكتور رشيد مقطعا من قصيدة للشاعر البوصيري (ت 696 هـ) في قصيدة رفعها إلى الوزير بهاء الدين علي بن محمد بن سليم، منها هذه الأبيات:
إليك نشكو حالنا إننا ... عائلة في غاية الكثرةْ
صاحوا مع الناس ولكنّهم ... كانوا لمن يُبصرهم عبَرهْ
واقبل العيدُ وما عندهم ... قمح ولا خبز ولا فطرهْ
فكم أقاسي منهم لوعة ... وكم أقاسي منهمُ حسرهْ
التي يصفها الدكتور رشيد بأنها تنطقُ بالخفوت والسطحية، وتنوء تحت وطأة الوهن وخمود العاطفة [1] .
إما قضية المعارضات الشعرية التي ذاع صيتها في أدب هذا العصر فانه يقف عندها وقفة تحليلية إذ يرى إن (( كثيرا من الشعراء كانوا يَضَعون انفسهم إلى جوار الشعراء القدامى الكبار، ويأتون باجزاء من قصائدهم المشهورة في نظمهم ) ) [2] ، ويعلل هذه الظاهرة، بقوله: (( لا ثبات قدرتهم على محاكاتهم، وتمكنهم من مجاراتهم ) ) [3] .
مشيرا إلى ان بعض الشعراء آثر السهولة والرقة والوضوح والبعد عن التكلف التي مال إليها الكثيرون منحدرين نحو اتجاه معروف آنذاك عُرف بطريقة (الانسجام) وما تضفيه هذه الطريقة من انسيابية ظريفة وتسابق طريف ومحاولة اللحاق بالمتقدمين في الشعر وبساطة في التعبير، ومنهجا سلكه نفر من الشعراء بعيدا عن الصنعة والتكلف الذي يجعل للشعر حسن الوقع في اذن السامع والارتياح في نفسه [4] .
منتهيًا إلى بيان رأيه النقدي وموقفه الموضوعي ورأيه النقدي في هذا الشأن بقوله: (( لقد سار الاتجاهان جنبا إلى جنب في درب الشعر، اتجاه الرقة والسهولة الذي جاء نديًا في رونق الطبع، واتجاه الصنعة الذي جاء ثقيلا ومقيدًا بضروب البديع، وقد
(1) المصدر نفسه: 127، وينظر: ديوان البوصيري: 163.
(2) الأدب العربي في العصر الوسيط: 131.
(3) المصدر نفسه: 131.
(4) المصدر نفسه: 134.