اتصالًا بالحياة العامة وبالسياسة وبالاداريين والموظفين وضباط الجيش، وهم اكثر قربًا من الحكام واشدّ تأثرًا بالاحداث. فالناس في بغداد اذن والشعراء منهم على نحوٍ خاص، أكثر اهتمامًا بالأمور العامة واشد التصاقًا بالسياسة واحداثها، سواءٌ من كان منهم مواليًا للسلطة والحكومة أو من كان معارضًا لهما ناقمًا ثائرًا عليهما، هاجيًا لحكامها.
إما الحلة والنجف فقد ابتعدتا عن السياسة واحداثها بشكل عام، بل لنقل انهما ابعدتا عن الحكم والسلطان وعن المشاركة في حكم البلاد. فالحلة كانت مدينة منكمشة على نفسها، لا تثق بالولاة مجتنبة ما يتعلق بشؤون الموظفين والحكام الذين اتسم سلوك أكثرهم فيها بالتعسف والجور، لان الأتراك كانوا وحدهم يشغلون معظم دوائر الحكومة عدا بعض الوظائف الصغيرة، لذلك انطوت المدينة على نفسها، وعاشت في عزتها واختارت أسلوب حياتها المتمثل بالعزلة عن الحكام والشعور بالغبن والأسى واشغلت نفسها بمجالس العزاء والرثاء الديني والاجتماعي.
وابتعدت النجف هي الأخرى عن السياسة واحداثها وعن المشاركة في الحكم والحياة العامة لذلك شعر أهلها بفراغ وضجر كبيرين، فانطووا على أنفسهم وانصرفوا إلى حياتهم الخاصة، وصار ابناء الأسر الموسرة يتمتعون بثرواتهم وشبابهم بما يتوافر لديهم من مجالات اللهو والانس يتسلون به عن لذة الحكم وجاه السلطة وعزّها، ووُجد في النجف مجتمع ميسور مترف. ومن المعلوم ان عوامل الثروة والغنى والفراغ واليأس من المشاركة في الحياة العامة كلها تقود إلى اللهو والعبث وبذلك راح النجفيون يزجون اوقات فراغهم باصطناع الحب وافتعال مجالس الخمر وسبل من المداعبات الاخوانية والهزل والمساجلات. بركام من اشعار الغزل والهزل.
أما الموصل فقد كانت أكثر بعدًا عن مركز الولاية ومقر الحكومة المركزية، ولكنها كانت تتمتع بنوع من الاستقرار وبقلّة في المشكلات الاجتماعية والسياسية بالنسبة لمدن العراق الأخرى.
وبما ان الموصل عرفت منذ عصور سابقة بطابعها الديني، لذلك اشتهرت بكثرة أهل الزهد والتصوف، وترسخ هذا الاتجاه فيها، وعليه كثر فيها الشعر الديني وشعر الزهد وشعر التوسل والاستغفار والمدائح النبوية [1] .
(1) أثر البيئة في أدب المدن العراقية في القرن التاسع عشر. د. محمد حسن علي مجيد، ط المكتبة العصرية_بغداد 1998 م،: 6 - 10.