ثم يقرر الدكتور مجيد ان هذه المرحلة مرحلة نشاط أدبي متميز، وقد قسّم هذه الموضوعات أو الاغراض الشعرية على شعراء تلك المدن، وجعل كل واحدة منها تتلون بلون شعري دون سواه، أو انه يغلب عليها أو بشكل سمة بارزة في شعرها، مستند إلى رؤية نقدية مفادها ان يكون المقياس المعتمد في هذا التصنيف، اتقان كل مدينة من هذه المدن لموضوع شعري خاص بها، واجادتها فيه اجادة بلغت درجة عالية من النضج وصدق التعبير، مما لا يوجد مثله لدى شعراء بقية المدن.
منتهيًا إلى خلاصة مفادها انه حين انشغلت بغداد بالسياسة واحداثها وتأييد الحكام أو معارضتهم فابدعت في الشعر السياسي تأييد أو رفضًا، مما لا يجد له مثيلًا في كثرته في مدن العراق الأخرى، بينما تلفْفَت الحلة برداء الحزن وصارت تنشد الرثاء ولاذت بالبكاء، لتنفس عما ضاق به صدرها من عنتِ وجُور، فأجادت في شعر الرثاء كَمًْا وفنًا مما لا يوجد مثله في مدينة عراقية أخرى، اما النجف فقد دفنت همومها ونفسّت عن ضيقها بالاتجاه إلى الفكاهة والغزل واللهو فيما لم يوجد مثله في غيرها من المدن العراقية الأخرى، على حين تمسكت الموصل باهداب الدين والتوجه إلى سيد المرسلين، يزجون لهُ القصائد حبًا وشغفًا، فأتت باحسن الوان هذا الشعر مما لا يوجد بمثل جودته وصدقهِ وكثرتهِ [1] ، في مدن العراق الأخرى.
مما تقدم نجد ان الاساس الذي بنت عليه هذه الدراسة وما حدد فيها من سمات كانت عبر استقراءٍ للشعر الذي قيل في هذه المرحلة من تاريخ العراق ولإطلاع الدكتور على أكثر ما يمكن من دواوين شعرية قاده إلى فهمٍ عميق للشعر وادراك سليم لمرامي الشعراء ينمُ عن التذوق الجيد لشعرهم، فإذا هو يستعين بالنصوص الشعرية التي يستدل بها على موقفهِ الذي يبتغي الكشف عنه عن طرق التعليل والتحليل العلمي الدقيق في كيفية الربط بين الاتجاهات الشعرية ومدلولاتها في هذه المدن بشكل منسجم لا يحتاج إلى مزيد من التعليق.
أن هؤلاء النقاد والباحثين ليسوا كل من كتب عن أدب العصر بروح موضوعية أو عملوا على دراسته دراسة وافيه متأنية قوامها التحليل والتعليل، تكشف عن مزايا النص الأدبي وابعاده الفنية لتضع امامنا النتيجة المتوخاه وانما هناك من سار بهذا الاتجاه غيرهم، نذكر منهم:
(1) ينظر: أثر البيئة في المدن العراقية،:12، 91.