بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم اثرها لم يغد مكبول
وما سعاد غداة البين اذ رحلوا ... إلا انحت غضيض الطرف مكحول [1]
وعادة الشعراء في معارضته كانت في السير على نهجه، فيبدأون قصائدهم بالغزل. إلا أن البوصيري قد خرج عما هو مألوف في هذه المعارضة، فافتتح قصيدته المسماة (ذخر المعاد، في معارضة بانت سعاد) في الوعظ والارشاد، وزجر النفس، وحثها على الزهد في الدنيا والاستعداد للآخرة. منتهيًا إلى اظهار شوقه وتوقه إلى زيارة الضريح النبوي [2] . وهذا ما أشار إليه المحقق إلا أنَّه لم يذكر مطلع قصيدته ولعله يريد لاميته التي مطلعها:
إلى متى أنت باللَّذَاتِ مَشْغولُ ... وَأنتَ عَنْ كلِّ ما قدَّمت مَسْؤولُ
في كُلِّ يومٍ تُرجىِّ أنْ تَتوُب غَدًا ... وَعَقْدُ عزمِكَ بالتَسوِيفَ مَحْلولُ [3]
كما ان للشاعر عددا من المدائح النبوية التي نظمها حين عزم السفر، وأداء فريضة الحج، ولما فرغ من أداء الفريضة، وعاد الشاعر إلى الديار الحجازية نظم قصيدته الشهيرة (أم القرى، في مدح خير الورى) المعروفة بالهمزية التي مطلعها:
كيف ترقيّ رقيك الأنبياءُ ... يا سماء ما طاولتها سماء [4]
ويقول عنها: (قد حازت الهمزية إعجاب الأدباء، فأقبل بعضهم على شرحها) [5] . ثم ينتقل المحقق إلى قصيدة البردة إذ يعدها من أهم قصائد البوصيري. أمّا مناسبتها ان البوصيري قد أصيب بالفالج، فنظم هذه القصيدة وقرأها بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في منامه. وقد أعجب بها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فألقى عليه بردته.
فأنتبه وهو معافى من مرضه [6] . ولا بأس أن أورد مطلع قصيدة البردة [7] وهو:
امن تذكُّر جيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلةٍ بدم [8]
(1) وهي قصيدة البردة التي قالها كعب بن زهير في مدح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) واستعطافه بعد ان كان الرسول قد أهدر دمه لفحشه، ولكنه بعد ان ندم وتاب ومدح الرسول عفا عنه (ص) ، وكافأه بان منحه بردته الشريفة.
(2) ديوان البوصيري: 26.
(3) ينظر: ديوان البوصيري: 172 وعدد أبياتها مئتان وأربعة أبيات. وقد وردت كلمة"مسؤول"في الديوان بالشكل"مَسْئول".
(4) يرى الدكتور ناظم في الادب العربي في العصر الوسيط أن عدد ابيات هذه الهمزية يبلغ (475) بيتًا، بينما يجدها د. مخيمر صالح في المدائح النبوية انها تبلغ (517) بيتًا.
(5) ديوان البوصيري، المقدمة: 26.
(6) ديوان البوصيري، المقدمة: 27، وينظر: فوات الوفيات ابن شاكر الكتيبي: 3/ 368.
(7) ديوان البوصيري: 190.
(8) يعدد ناظم في الادب العربي في العصر الوسيط أبيات البردة (160) وبينما يجدها د. مخيمر صالح في المدائح النبوية أن عددها: 174 بيتًا.